
الاقتصاد العالمي | بقش
أحدث التقييمات الاقتصادية أجمعت على أن أسعار النفط العالمية تواجه موجة صعود محتملة، قد تدفع خام برنت إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات، بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتشير هذه التقييمات إلى أن اضطرابات الإمدادات عبر مضيق هرمز الحيوي ستقفز بالأسعار فوق 100 دولار للبرميل، وربما وصولاً إلى ما بين 120 و150 دولاراً إذا استمرت الحرب لأسابيع إضافية.
بنك “باركليز” البريطاني قال حديثاً إن خام برنت قد يبلغ مستوى 120 دولاراً للبرميل إذا استمرت الحرب في الشرق الأوسط لعدة أسابيع، مشيراً وفق اطلاع “بقش” إلى أن العوامل الأساسية الحالية للمخاطر أقوى من تلك التي شهدتها أسواق النفط أثناء أزمة أوكرانيا. وأضاف البنك أن أسعار النفط ارتفعت إلى نحو 93.60 دولاراً للبرميل، فيما سجل خام غرب تكساس الوسيط 91.62 دولاراً، نتيجة الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، الذي ينقل نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.
ولفت البنك إلى تراكم كميات النفط على ناقلات النفط في خليج المكسيك بنحو 85 مليون برميل منذ بدء الحرب، ما يعكس مدى اضطراب أسواق الشحن العالمية والقلق المتزايد بين المستثمرين من استمرار تعطل تدفق النفط.
من جهته، حذر بنك “غولدمان ساكس” الأمريكي من أن أسعار النفط قد تتجاوز 100 دولار للبرميل في الأسبوع المقبل إذا لم تظهر بوادر لحل الأزمة الحادة التي تعطل تدفق النفط عبر المضيق. وأوضح البنك أن متوسط التدفقات اليومية عبر المضيق انخفض بنسبة 90%، وأن استمرار التعطيل قد يؤدي إلى تجاوز ذروة أسعار النفط المسجلة في عامي 2008 و2022، ما يضع الصناعات والمستهلكين أمام ضغوط مالية مباشرة.
وقد يسجّل استمرار الحرب أقوى مكاسب أسبوعية للنفط منذ تقلبات جائحة كورونا في 2020 وفقاً لـ”غولدمان ساكس”، وهو ما يؤكد القلق المتزايد بين المستثمرين والمستهلكين من ارتفاع التكاليف العالمية للطاقة وتأثيرها على سلاسل التوريد والأسعار في الأسواق الاستهلاكية.
تحذير قطري: السيناريو الأسوأ عند 150 دولاراً
وزير الطاقة القطري سعد الكعبي حذّر من أن استمرار الحرب لأسابيع قد يدفع أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل إذا تعطلت حركة السفن عبر المضيق، مؤكداً أن استمرار الحرب سيؤثر بشكل مباشر على نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وقد يسقط اقتصادات بكاملها إذا لم يتم احتواء الأزمة سريعاً.
وكانت شركة قطر للطاقة أعلنت عن وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في منشآت رأس لفان، كما أعلنت حالة “القوة القاهرة” في بعض عقود التوريد، ما يعكس خطورة الموقف وتأثيره المباشر على الإمدادات العالمية للطاقة، ويزيد احتمالات ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية خلال الأسابيع المقبلة.
ومع تجاوز خام برنت مستوى 90 دولاراً ووصول بعض الخامات الخليجية إلى 100 دولار (مثل خام مربان الإماراتي) حسب تتبُّع بقش، بدأ المتعاملون في الأسواق العالمية بتسعير سيناريو اضطراب واسع في الإمدادات، ويشير هذا إلى أن المستثمرين باتوا يعتبرون تراجع الشحنات عبر مضيق هرمز عنصراً أساسياً في توقعاتهم للأسعار المستقبلية، ما قد يرفع تكلفة الطاقة ويؤثر على جميع القطاعات الاقتصادية، من الصناعات الثقيلة إلى النقل والتكنولوجيا والسلع الاستهلاكية حول العالم.
في ضفة أخرى، أعلنت مؤسسة البترول الكويتية اليوم السبت عن خفض إنتاج وتكرير النفط الخام بمقدار 100 ألف برميل يومياً كخطوة أولية قابلة للزيادة، نتيجة لتعثر حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
وكخطوة قانونية لحماية مصالحها، أعلنت المؤسسة حالة “القوة القاهرة” على مبيعاتها من الخام، وهو إجراء استثنائي يُعفي الشركة من الالتزامات التعاقدية وتوريد الشحنات في مواعيدها المحددة نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها، مما يمنحها المرونة الكافية لتعديل جداول التسليم دون التعرض لغرامات مالية أو قانونية.
ارتفاع قياسي لأقساط التأمين البحري
في السياق، تشهد صناعة التأمين البحري في الخليج موجة صعود حادة في أقساط التأمين، وذكرت “رويترز” في تقرير اطلع عليه بقش أن بعض أقساط التأمين على السفن ارتفعت بنسبة تجاوزت 1000 بالمئة منذ بدء الحرب، ما أدى إلى زيادة كبيرة في تكلفة نقل الطاقة والسلع عبر مضيق هرمز.
وتسببت الحرب في شلل الحركة البحرية، بعد أن أعلنت إيران أنها ستحرق أي سفينة تحاول العبور، وأصيب نحو سبع سفن على الأقل بأضرار منذ بداية الحرب مطلع الأسبوع الماضي، ما أدى إلى زيادة المخاطر على السفن وارتفاع تكاليف التأمين بشكل فوري، كما أوضح ستيفن رودمان، رئيس قسم الشؤون البحرية في آسيا بشركة “إيون” للوساطة التأمينية، مؤكداً أن السوق استجاب مباشرة لتزايد الخطر المحتمل على السفن في المنطقة، مع توقع استمرار التقلب في الأسعار على المدى القصير إذا تصاعدت الأوضاع.
رودمان قال إن أسعار أقساط التأمين على هياكل السفن التي تعبر المياه عالية المخاطر ارتفعت بشكل حاد، كما زادت أقساط تأمين البضائع ضد مخاطر الحرب، التي تُحدد عادةً لكل رحلة على حدة، خاصة بالنسبة للنفط والسلع السائبة. وأضاف أن سوق إعادة التأمين قد يشدد شروطه في حال استمرار المخاطر، ما يزيد من أعباء التكاليف على مالكي السفن والتجار وشركات الطاقة.
وقدّرت شركة “جيفريز” أن الخسائر المحتملة الناتجة عن سبع سفن متضررة قد تصل إلى 1.75 مليار دولار، في حين أظهرت دراسة لشركة الوساطة أن قيمة معظم ناقلات النفط تتراوح بين 200 و300 مليون دولار، ما يجعل ارتفاع معدل التأمين الجديد من 0.25% إلى نحو 3%، أي زيادة في قسط التأمين بمقدار 7.5 مليون دولار لكل سفينة.
وتتغير الأسعار يومياً حسب نوع السفينة ووضع كل رحلة على حدة، لكنها لا تزال متاحة، وذلك يعكس استجابة السوق لحجم المخاطر المتزايدة، وفقاً لـ”أنجوس بلايني” مدير قسم الشؤون البحرية في شركة جالاجر للوساطة التأمينية.
ويرى المحللون أن الارتفاع الحاد في أقساط التأمين يزيد من المخاوف من ارتفاع التضخم إذا استمر النزاع لفترة أطول، لذا فإن الشركات المالكة للناقلات وشركات الطاقة تعمل على إعادة تقييم تكاليف التشغيل ومخاطر النقل، فيما تستمر الأسواق في تسعير السيناريوهات الأكثر سوءاً لتدفقات النفط والسلع الأساسية.
وتبقى الأسواق تحت تأثير حالة عدم اليقين، حيث يعتمد حجم الصعود المتوقع لأسعار النفط على مدى استمرار الحرب، فيما تظل الضغوط الإضافية على الأسواق قائمة حتى إشعار آخر.


