تقارير
أخر الأخبار

إغلاق حكومي جزئي يتجدد: معركة الهجرة تطفئ أنوار الحكومة الفيدرالية للمرة الرابعة في عهد ترامب

تقارير | بقش

عادت أروقة العاصمة الأمريكية واشنطن لتغرق في ظلام الإغلاق الحكومي الجزئي من جديد، في مشهد بات يجسد حالة الاستقطاب السياسي الحاد التي تعيشها الولايات المتحدة، حيث دخلت الحكومة الفيدرالية منذ منتصف ليل الحادي والثلاثين من يناير 2026 في حالة شلل جزئي هو الرابع من نوعه خلال فترتي حكم الرئيس دونالد ترامب. وانفجرت الأزمة الحالية إثر انهيار المفاوضات الشاقة بين الديمقراطيين والجمهوريين حول مخصصات وزارة الأمن الداخلي، وتحديداً تلك المتعلقة بتمويل سياسات إنفاذ قوانين الهجرة الصارمة التي يتبناها البيت الأبيض، مما أدى إلى توقف تدفق الأموال اللازمة لتشغيل قطاعات حيوية واسعة.

وتتجاوز هذه الأزمة مجرد خلاف محاسبي معتاد حول الأرقام، لتتحول إلى معركة كسر عظم سياسية، حيث استخدم الديمقراطيون في مجلس الشيوخ قوتهم التصويتية لعرقلة حزمة تمويل سداسية كان مجلس النواب قد أقرها مسبقاً، مشترطين وفق اطلاع “بقش” إدراج قيود تشريعية واضحة تكبح جماح إدارة ترامب في عمليات الترحيل وإنفاذ قوانين الهجرة، أو شطب المخصصات المالية لوزارة الأمن الداخلي بالكامل من المشروع.

ويأتي هذا التعنت المتبادل بعد فترة قصيرة جداً من انتهاء إغلاق سابق كان قد سجل الرقم القياسي كأطول إغلاق في تاريخ البلاد، وانتهى فقط في نوفمبر الماضي، مما يضع المؤسسات الفيدرالية تحت ضغط تشغيلي غير مسبوق.

ويعكس تكرار هذه الإغلاقات خللاً هيكلياً في آلية الحكم في أمريكا، حيث باتت الميزانية الفيدرالية رهينة الصراعات الحزبية بدلاً من أن تكون أداة للإدارة الرشيدة. ومع تعثر تمرير القوانين الاثني عشر الأساسية للميزانية بحلول بداية السنة المالية في أكتوبر، لجأ الكونغرس كعادته إلى “القرارات المستمرة” المؤقتة لتفادي الكارثة، إلا أن هذا الحل الترقيعي وصل إلى طريق مسدود يوم 30 يناير حسب متابعات بقش، مما أدى إلى نفاذ التمويل لعدد من الوزارات السيادية والخدمية، ليدخل مئات الآلاف من الموظفين وعائلاتهم في دوامة المجهول المالي والوظيفي مرة أخرى.

أزمة الميزانية المزمنة: كيف تحول التمويل الحكومي إلى ورقة ضغط سياسية؟

تعتمد الدورة المالية للحكومة الأمريكية نظرياً على تمرير الكونغرس لاثني عشر مشروع قانون للمخصصات المالية تغطي كافة القطاعات، ليقوم الرئيس بتوقيعها قبل حلول الأول من أكتوبر من كل عام، وهو الموعد الرسمي لبدء السنة المالية. ولكن الواقع السياسي في واشنطن جعل من هذا الإجراء الروتينى أمراً شبه مستحيل الحدوث في موعده، مما يضطر المشرعين للاعتماد على حلول مؤقتة قصيرة الأجل لإبقاء أبواب الحكومة مفتوحة. وفي السيناريو الحالي، نجح الرئيس ترامب في توقيع ستة فقط من أصل مشاريع القوانين الاثني عشر للسنة المالية 2025، مما ضمن تمويلاً مستقراً لجزء من الحكومة حتى نهاية سبتمبر، بينما تُرك النصف الآخر من الجهاز الإداري للدولة يواجه مصيره المحتوم بمجرد انقضاء أجل التمويل المؤقت في نهاية يناير.

وتطال شظايا هذا الإغلاق مؤسسات سيادية لا يمكن الاستغناء عنها، حيث تشمل قائمة الوكالات المتضررة وزارة الدفاع (التي تشكل العمود الفقري للأمن القومي)، ووزارة الخارجية، ووزارة الخزانة، بالإضافة إلى وزارات النقل والصحة والخدمات الإنسانية والإسكان. ولم يسلم البيت الأبيض نفسه من تداعيات نقص التمويل، إلى جانب هيئات رقابية ومالية مهمة مثل هيئة الأوراق المالية والبورصات وإدارة الأعمال الصغيرة. ويعني هذا الانقسام في التمويل أن المواطن الأمريكي قد يجد خدمات معينة تعمل بكفاءة تامة، بينما تتوقف خدمات أخرى ضرورية بشكل كامل، مما يخلق حالة من الإرباك وعدم اليقين في الأسواق والشارع على حد سواء.

وتكمن العقدة الحالية في الديناميكية التشريعية المعقدة داخل الكابيتول، فرغم أن الديمقراطيين لا يملكون الأغلبية في مجلس الشيوخ، إلا أن قواعد المجلس تمنحهم القدرة على تعطيل وصول مشاريع القوانين إلى مرحلة التصويت النهائي. وقد استغل الديمقراطيون هذه الثغرة لرفض المشروع القادم من مجلس النواب، وقدموا بدلاً منه نسخة تتضمن تمويلاً شحيحاً لمدة أسبوعين فقط لوزارة الأمن الداخلي كحل إسعافي، وهو ما يرفضه الجمهوريون والبيت الأبيض، مما يترك البلاد في حالة جمود بانتظار توقيع ترامب على تسوية تبدو بعيدة المنال في ظل التمسك المتبادل بالمواقف الأيديولوجية حول ملف الهجرة الشائك.

ملايين الموظفين بين خيار العمل المجاني أو الإجازة الإجبارية

يفرز الإغلاق الحكومي واقعاً مأساوياً للقوى العاملة الفيدرالية، حيث يتم تقسيم الموظفين قسراً إلى فئتين: “أساسيين” و”غير ضروريين”. يُجبر الموظفون المصنفون كأساسيين، وهم الذين يتولون مهام حماية الأرواح والممتلكات كضباط إنفاذ القانون ومراقبي الحركة الجوية والجنود، على الاستمرار في أداء واجباتهم دون تلقي رواتبهم في مواعيدها، في انتهاك صارخ لمبدأ الأجر مقابل العمل، بل ويواجهون نظرياً تهديدات قانونية وعقوبات بالسجن والغرامة بموجب “قانون مكافحة العجز” إذا ما أخلوا بواجباتهم. وفي المقابل، يتم إرسال مئات الآلاف من الموظفين الآخرين إلى منازلهم في إجازات غير مدفوعة الأجر، مما يضع أعباء معيشية هائلة على كاهل الأسر التي تعتمد على الراتب الحكومي شهرياً.

وتتجاوز الآثار السلبية مسألة الرواتب لتضرب عمق الخدمات المقدمة للجمهور والاقتصاد؛ فقد أعلنت وزارة الخارجية حسب قراءة بقش عن تقليص حاد في خدمات إصدار الجوازات والتأشيرات الروتينية، مما يعطل مصالح السفر والأعمال، بينما حذر مكتب إحصاءات العمل من تأجيل إصدار تقرير الوظائف الشهري الحاسم، وهو مؤشر تترقبه “وول ستريت” بدقة لتحديد اتجاهات السوق، مما قد يؤدي إلى تخبط في البورصة وقرارات الاستثمار. كما تواجه دائرة الإيرادات الداخلية فوضى عارمة مع انطلاق موسم الضرائب، حيث يؤدي نقص التمويل إلى تأخير معالجة الإقرارات الضريبية وتعطيل الرد على استفسارات المكلفين، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد المالي للمواطنين والشركات.

وتبقى الفئة الأكثر تضرراً وظلماً في هذه المعادلة هي فئة المتعاقدين مع الحكومة الفيدرالية، من عمال النظافة والحراسة إلى موظفي شركات التكنولوجيا والدفاع الكبرى مثل “لوكهيد مارتن”. فبينما ضمن الكونغرس بقوة القانون في عام 2019 صرف الرواتب المتأخرة للموظفين الفيدراليين المباشرين فور انتهاء الإغلاق، لا يتمتع موظفو الشركات الخاصة المتعاقدة بنفس الحماية، وغالباً ما تضيع أجورهم عن فترة التوقف للأبد دون أي تعويض، مما يجعلهم الخاسر الأكبر في هذه المعركة السياسية، ويهدد استقرار آلاف الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط التي تعمل في فلك القطاع الحكومي.

من جدار المكسيك إلى قيود الترحيل في ولاية ترامب الثانية

يعيد المشهد الحالي إلى الأذهان سيناريوهات سابقة قاتمة، حيث يمثل هذا الإغلاق الفجوة التمويلية السادسة عشرة منذ اعتماد نظام الميزانية الحديث في عام 1981، إلا أن وتيرة هذه الإغلاقات ومدتها زادت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة لتصبح أداة مفضلة في الصراع الحزبي. ولعل الذاكرة القريبة تستحضر الإغلاق التاريخي الذي حدث في أواخر 2018 ومطلع 2019، والذي استمر 35 يوماً بسبب إصرار ترامب آنذاك على تمويل بناء الجدار الحدودي مع المكسيك بقيمة 5.7 مليار دولار، وهو الإغلاق الذي صُنف كثاني أطول إغلاق في التاريخ بعد الإغلاق الأخير الذي شهده عام 2025، مما يؤكد أن ملف الحدود لا يزال هو الصاعق المفجر للعلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس.

ووفق تناولات بقش، تشهد فترات الإغلاق معارك قانونية جانبية لا تقل ضراوة عن المعارك السياسية، حيث تحاول الإدارات المتعاقبة استغلال الثغرات لتمرير أجنداتها أو تقليص النفقات الإلزامية. ففي عام 2025، سعت إدارة ترامب إلى تعليق صرف قسائم الطعام للولايات كوسيلة للضغط، وهي خطوة واجهت طعوناً قضائية فورية من حكام الولايات الذين اتهموا الإدارة بتجاوز صلاحياتها الدستورية، مما استدعى تدخل محكمة الاستئناف لضمان وصول المساعدات الغذائية لمستحقيها. ورغم انتهاء القضايا بانتهاء الإغلاق، إلا أن الأسئلة الدستورية حول حدود سلطة الرئيس في حجب الأموال الإلزامية أثناء الإغلاق تظل قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي مواجهة مستقبلية.

ولم تكن العمليات الحكومية قبل ثمانينيات القرن الماضي تتوقف بهذه الآلية التلقائية، حيث كانت النفقات تُغطى بأثر رجعي، ولكن التفسيرات القانونية الحديثة جعلت من “الإغلاق” أمراً واقعاً ومتكرراً. واليوم، لا تقتصر التداعيات على توقف الخدمات، بل تمتد لتشمل محاولات تسريح موظفين كما حدث في الخريف الماضي عندما حاول مكتب الميزانية في البيت الأبيض تسريح آلاف الموظفين الفيدراليين قبل أن يوقفه أمر قضائي، مما يشير إلى أن الإغلاقات باتت تُستخدم كفرصة لتصفية حسابات إدارية وهيكلية، وليس فقط كأزمة تمويل عابرة.

تكرار سيناريو الإغلاق الحكومي أربع مرات في عهد رئيس واحد، وبفترات قياسية، يشير إلى تحول خطير في الممارسة الديمقراطية الأمريكية، حيث انتقل الخلاف السياسي من قاعات النقاش والتصويت إلى تكتيكات “الأرض المحروقة” وتعطيل الدولة. يبدو أن كلا الطرفين، الديمقراطيين والجمهوريين، باتوا يرون في شلل المؤسسات وسيلة مشروعة لانتزاع تنازلات سياسية، غير عابئين بالتكلفة الباهظة التي تدفعها سمعة الولايات المتحدة الائتمانية ومكانتها الدولية، فضلاً عن تآكل ثقة المواطن في قدرة مؤسساته على العمل بحد أدنى من الكفاءة والاستقرار.

وفي ظل غياب أي بوادر لتسوية جذرية لآلية إقرار الميزانية، تبقى الولايات المتحدة أسيرة لهذه الدوامة المفرغة، حيث أصبح “الإغلاق” هو القاعدة و”العمل المستمر” هو الاستثناء. ويُنذر استمرار رهن أرزاق الملايين وأمن البلاد القومي بصراعات حزبية ضيقة حول ملفات مثل الهجرة، بعواقب استراتيجية طويلة الأمد قد تؤدي إلى عزوف الكفاءات عن العمل الحكومي، وهروب المتعاقدين، وتراجع التصنيف الائتماني لأقوى اقتصاد في العالم، مما يضع مستقبل الإدارة الأمريكية برمتها أمام تحدٍ وجودي حقيقي.

زر الذهاب إلى الأعلى