الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

إغلاق هرمز وتدمير منشآت قطر: صدمة الغاز الطبيعي تتجاوز كارثة 2022 وتعيد الفحم للواجهة

الاقتصاد العالمي | بقش

يشهد العالم حالياً زلزالاً غير مسبوق في أسواق الطاقة العالمية، حيث فرضت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واقعاً جديداً يهدد بشل حركة الاقتصاد العالمي.

لم تعد الأزمة مجرد توترات جيوسياسية عابرة، بل تحولت إلى صدمة هيكلية عميقة في معروض الغاز الطبيعي المسال، لتتجاوز في قسوتها وتداعياتها الممتدة أزمة الطاقة الأوروبية التي اندلعت عام 2022. الأسواق اليوم تواجه نقصاً حاداً ومفاجئاً وضع الدول المستوردة في حالة طوارئ قصوى لتأمين احتياجاتها الأساسية قبل حلول الشتاء.

في قلب هذه العاصفة، يقبع مجمع “رأس لفان” القطري، أكبر منشأة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم، والذي تعرض لدمار واسع إثر الهجمات الأخيرة.

هذا المجمع الاستراتيجي الذي كان يضخ بمفرده نحو 20% من إجمالي تجارة الغاز المسال العالمية، توقف عن العمل، مما دفع للإعلان عن حالة “القوة القاهرة” وإبلاغ المشترين الآسيويين والأوروبيين بصعوبة الوفاء بالعقود طويلة الأجل في الوقت الراهن. هذا الخروج المفاجئ لخُمس الإمدادات العالمية يمثل ضربة قاصمة لم تشهدها الأسواق منذ عقود.

وما زاد الطين بلة هو الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز الحيوي، بالتزامن مع ضربة طبيعية تلقتها الإمدادات من النصف الآخر للكرة الأرضية؛ حيث أعلنت شركة “شيفرون” أن العواصف الشديدة ألحقت أضراراً بالغة بمحطة “ويتستون” في أستراليا (التي تمثل نحو 2.4% من الإمدادات العالمية)، ولن تعود للعمل بكامل طاقتها لعدة أسابيع.

هذا الحصار المزدوج دفع الأسعار الفورية للغاز للتحليق لمستويات قياسية، حيث قفزت الأسعار في آسيا لتتجاوز حاجز 25 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (بزيادة بلغت ثلاثة أضعاف مستويات ما قبل الأزمة)، بينما سجلت الأسواق الأوروبية ارتفاعات تجاوزت 40%، مما ينذر بركود تضخمي وصناعات متعثرة.

تداعيات كارثية على أسعار الغاز وسلاسل التوريد

أدى التبخر المفاجئ لجزء ضخم من الغاز المار عبر الخليج واختناق الممرات الملاحية إلى اشتعال حرب أسعار شرسة بين كبار المستوردين لاقتناص ما تبقى من شحنات في السوق الفورية. هذا التدافع الجنوني لم يرفع تكلفة الغاز فحسب، بل قلب سلاسل توريد الطاقة بأكملها رأساً على عقب.

فمع ندرة المعروض، تعجز البدائل الحالية—سواء من الولايات المتحدة أو المشاريع الأسترالية والإفريقية—عن سد هذه الفجوة الهائلة، حيث أن البنية التحتية العالمية للغاز غير مصممة لامتصاص صدمة غياب 20% من الإمدادات في وقت واحد.

على أرض الواقع، بدأت الاقتصادات تدفع ثمناً باهظاً لهذا الاضطراب. المصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل مصانع الأسمدة والصلب والمنسوجات، تجد نفسها مجبرة على خفض الإنتاج، مما يهدد بأزمة غذاء عالمية وارتفاع في معدلات البطالة. وفي الدول النامية، يتجلى المشهد في صورة أكثر قتامة، حيث أدى النقص الحاد في غاز الطهي إلى مشاهد من الفوضى والمشاجرات في دول مثل الهند، بينما يعيش المزارعون حالة من القلق البالغ إزاء نقص الديزل وارتفاع تكاليف الزراعة.

وفي هذا السياق المعقد، يؤكد أندريا ستيجر، رئيس “الاتحاد الدولي للغاز”، أن استعادة استقرار الأسعار وثقة الأسواق في تدفقات الإمداد ستستغرق وقتاً طويلاً. ويشير ستيجر في تصريحاته في مقابلة صحفية على هامش المؤتمر السنوي لمنتجي الغاز في الجزائر، إلى أن الأسواق حالياً تتحرك في ظل حالة من انعدام اليقين، حيث ترتبط أي انفراجة في الأسعار بسرعة احتواء النزاع، مؤكداً أن قطاع الغاز يواجه اختباراً تاريخياً في محاولته تنويع طرق ومصادر الإمداد لامتصاص جزء من هذه الصدمة العنيفة، وأن تداعيات ذلك ستنعكس حتماً على أحجام التوريد والأسعار النهائية للمستهلك.

البنية التحتية المنهارة ومستقبل أمن الطاقة

إن حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية للطاقة يمثل العائق الأكبر أمام أي تعافي قريب. المنشآت المتضررة تعتمد على تقنيات بالغة التعقيد ومعدات هندسية متخصصة لا يمكن استبدالها أو إصلاحها بين عشية وضحاها.

إعادة بناء هذه الشرايين الحيوية وسط بيئة جيوسياسية ملتهبة يعني أن العالم سيضطر للتعايش مع عجز هيكلي في إمدادات الغاز لفترة ممتدة، وهو ما يفرض واقعاً مريراً على ميزانيات الدول المستوردة التي ستضطر لاستنزاف احتياطياتها النقدية.

هذه الأزمة شكلت انتكاسة كبرى ومؤلمة لجهود التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة. لسنوات، تم الترويج للغاز الطبيعي كوقود انتقالي “موثوق وميسور التكلفة” لسد الفجوة بين التخلي عن الفحم والاعتماد الكامل على مصادر الطاقة المتجددة. ولكن، مع عجز محطات الكهرباء عن تأمين الغاز، تجد العديد من الدول نفسها مجبرة على العودة مرغمة إلى حرق الفحم شديد التلوث لتجنب انقطاع التيار الكهربائي الدائم، مما يوجه ضربة قاسية لجهود خفض الانبعاثات الكربونية.

وهو ما يتوافق مع التقييمات الفنية التي طرحها أندريا ستيجر، حيث أوضح صراحة أن التعافي الكامل للبنية التحتية المتضررة “قد يستغرق عدة سنوات”. وأضاف ستيجر أن الأضرار التي لحقت ببعض المنشآت تعتبر “كبيرة جداً”، وأن التقييم الدقيق والنهائي لحجم التأثير المالي والهندسي ما زال بحاجة إلى توفر معلومات تفصيلية أكثر خلال الفترة المقبلة، مما يجعل آفاق الحلول السريعة واستعادة العمليات بكامل طاقتها أمراً مستبعداً في المدى المنظور.

ومع استمرار تعقيدات المشهد وغياب الحلول السريعة، يبقى الخيار الوحيد القابل للتطبيق أمام الحكومات هو فرض سياسات صارمة لتقليل استهلاك الغاز وتأقلم المجتمعات مع حقبة جديدة من ندرة الطاقة. إن فعالية استجابة المجتمع الدولي والقطاع الصناعي لهذه الأزمة الوجودية ستتضح معالمها خلال الأشهر المقبلة، لكن الثابت الوحيد الآن هو أن خريطة الطاقة العالمية قد تم إعادة رسمها بالكامل.

زر الذهاب إلى الأعلى