
الاقتصاد العالمي | بقش
مع دخول عام 2026، تقف أسواق النفط العالمية عند مفترق طرق معقد، حيث تتقاطع فيها عوامل العرض والطلب مع سياسات دولية متقلبة، ما يجعل توقّع مسار الأسعار مهمة صعبة مليئة بالسيناريوهات المتباينة.
في هذا المشهد، تتحرك بوصلات القرار من الرياض إلى واشنطن، ومن بكين إلى موسكو، محاولين قراءة دلالات السوق وتوقع انعطافاته القادمة.
توقعات الأسعار
خام برنت شهد تصاعداً حاداً منتصف 2025، إذ لامس 81 دولاراً للبرميل نتيجة التوترات بين إيران وإسرائيل، لكنه عاد ليستقر قرب 60 دولاراً بنهاية العام.
وحسب اطلاع بقش على توقعات المؤسسات المالية الكبرى لأسعار لعام 2026، فإن سيناريو التفاؤل يذهب إلى وصول سعر برنت إلى 75 دولاراً للبرميل في حال حدوث انقطاعات حقيقية في الإمدادات نتيجة توترات جيوسياسية كبرى.
والسيناريو الأساسي هو أن يستقر السعر عند متوسط 62 دولاراً للبرميل، كما يتوقع بنك “سيتي غروب”.
أما في السيناريو الهبوطي، فقد ينخفض السعر إلى 50 دولاراً للبرميل على مدار العام، نتيجة زيادة إنتاج “أوبك+” وتراجع الطلب الصيني، وهو ما يتفق مع توقعات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ومتوسطة أسعار بنك “جيه بي مورغان”.
في المقابل، جميع هذه السيناريوهات تظل دون مستوى أسعار التعادل لميزانيات غالبية الدول المنتجة، مما يضعها تحت ضغط مالي واضح في حال استمرار هذه المستويات.
الطلب العالمي: نمو محدود وانقسام في التقديرات
تُظهر توقعات الطلب العالمي انقساماً حاداً، فأوبك تتبنى رؤية متفائلة مع نمو محتمل للطلب بمقدار 1.4 مليون برميل يومياً.
وبدورها بدت وكالة الطاقة الدولية أكثر تحفظاً، مع توقع نمو يتراوح بين 700 ألف إلى 860 ألف برميل يومياً.
أما إدارة معلومات الطاقة الأمريكية فتتوقع فائضاً يبلغ 800 ألف برميل يومياً، وهو أكثر من ضعف الفائض المتوقع لعام 2025 (300 ألف برميل يومياً).
ويشير بنك “جيه بي مورغان” إلى أن أي نمو حقيقي في الطلب سيأتي أساساً من خارج دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وبشكل خاص من الصين والهند، حيث يُتوقع أن يساهم كل منهما بمقدار 0.4 إلى 0.5 مليون برميل يومياً.
لكن البنك يحذر من أن ارتفاع المشتريات الصينية قد يكون لغرض “التخزين” فقط، ما يخفي ضعفاً حقيقياً في الطلب العالمي الفعلي.
والتحدي الأكبر لعام 2026 يتمثل في وفرة الإمدادات القادمة من خارج تحالف أوبك+،
فالدول الرئيسية خارج أوبك+ (البرازيل، غيانا، كندا، والأرجنتين) ستقود زيادة الإنتاج، مع توقع فائض يبلغ متوسطه 3.7 مليون برميل يومياً، وفق اطلاع بقش على تقديرات وكالة الطاقة الدولية.
ويُرجح أن يصل إجمالي المعروض العالمي إلى 108.6 مليون برميل يومياً، بزيادة قدرها 2.4 مليون برميل يومياً.
ورغم ذلك، يتوقع بعض المحللين مثل بوب مكنالي أن يعود تحالف “أوبك+” إلى خفض الإنتاج خلال الربع الثاني من 2026، في محاولة لإدارة السوق بحذر وتفادي تخمة المعروض المتوقع نتيجة زيادة الإنتاج في الولايات المتحدة وكندا.
وتقول بلومبيرغ في تقرير طالعه بقش إن الدول الأعضاء في التحالف تستمر بالاستثمار لتعزيز قدراتها الإنتاجية والتكريرية، حيث رفعت الإمارات طاقتها الإنتاجية بمقدار 200 ألف برميل يومياً، وطورت كازاخستان والعراق القدرات الإنتاجية والتكريرية بشكل ملموس.
السياسة: عامل متغير ومحرك للأسواق
السياسة الدولية تلعب دوراً محورياً في رسم ملامح سوق النفط حسب تقرير بلومبيرغ، فإدارة ترامب تسعى إلى خفض الأسعار إلى 50 دولاراً أو أقل لمكافحة التضخم، مع استعداد للتدخل عند انخفاض أسعار الخام الغربي عن مستوى 50 دولاراً.
وتؤثر العقوبات على روسيا وفنزويلا على صادرات هذه الدول، حيث تواجه روسيا صعوبة في بيع نفطها، بينما تفرض إدارة ترامب حصاراً على ناقلات النفط الفنزويلية، رغم أن فنزويلا تنتج نحو مليون برميل يومياً وتمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (أكثر من 300 مليار برميل).
وأي تصعيد سياسي أو عقوبات جديدة قد يؤدي إلى اضطرابات مفاجئة في الإمدادات، مما يرفع الأسعار في السوق بشكل ملحوظ خلال 2026.
وتشير الوقائع الراهنة إلى أن سوق النفط العالمية في 2026 تواجه تحديات مزدوجة: فائض في الإمدادات من جهة، وعدم يقين سياسي وجيوسياسي من جهة أخرى، فيما تظل الدول الكبرى تواجه صعوبات مالية إذا استمرت الأسعار دون مستوى التعادل.
وقد ترفع الصدمات السياسية الأسعار فجأة، في حين أن التخمة المستمرة في الإمدادات قد تدفع الأسعار نحو أسفل نطاق التوقعات، ما يفرض على صناع القرار مزيجاً دقيقاً من إدارة السوق، واستراتيجيات التخزين، ومراقبة التطورات السياسية العالمية.
لن يكون 2026 عاماً تقليدياً في سوق النفط، فهو عام التوازن بين فائض العرض، وضعف الطلب الفعلي، واستراتيجيات الدول الكبرى لموازنة ميزانياتها وسط تقلبات سياسية متلاحقة.


