
الاقتصاد العالمي | بقش
تسببت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في إحداث اضطراب واسع في سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي، مع توقف صادرات قطر وتحويل مسارات الشحنات بين القارات، وهو تطور اعتبرته أحدث التحليلات يعيد رسم خريطة تدفقات الطاقة ويثير مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار بشكل أكبر خلال الأشهر المقبلة.
وحسب بيانات تتبُّع السفن التي اطلع عليها “بقش” من وكالة “بلومبيرغ”، بدأت شحنات الغاز الطبيعي المسال بالفعل بتغيير مساراتها منذ اندلاع الحرب، حيث جرى تحويل ما لا يقل عن ثماني شحنات كانت متجهة إلى أوروبا نحو الأسواق الآسيوية، ما يعني احتدام المنافسة بين القارتين على الإمدادات المحدودة، في وقت يتقلص فيه هامش الاحتياطي العالمي بسرعة.
جاء هذا الاضطراب نتيجة إغلاق منشأة “رأس لفان” في قطر، وهي أكبر محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، إلى جانب توقف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى خروج كميات كبيرة من الغاز القطري من السوق. وتشير تقديرات بلومبيرغ، استناداً إلى بيانات إنتاج عام 2025، إلى أن استمرار الاضطراب يعني فقدان نحو ثلاث شحنات يومياً من الغاز القطري في الأسواق العالمية.
كما توقفت محطة أصغر لتصدير الغاز الطبيعي المسال في أبوظبي عن الشحن، ما يجعل إجمالي الانقطاعات الحالية يعادل نحو 20% من الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال، وهو مستوى مرتفع يزيد من حدة التوتر في السوق.
ويُنظر إلى أن قدرة السوق على تعويض هذا النقص محدودة، إذ يعمل أكبر موردين آخرين للغاز الطبيعي المسال، وهما الولايات المتحدة وأستراليا، بالقرب من طاقتهما الإنتاجية القصوى، ما يقلص إمكانية زيادة الإمدادات سريعاً لتعويض التراجع الحالي.
وفي أوروبا، تتزايد الحاجة إلى جذب شحنات إضافية لإعادة ملء مخزونات الغاز التي تراجعت بشكل كبير بعد الشتاء. في المقابل، من المتوقع أن ترتفع مستويات الطلب في آسيا مع اقتراب فصل الصيف وازدياد استخدام أجهزة التكييف، ما يفاقم المنافسة بين المنطقتين على الإمدادات المحدودة.
وانعكس هذا الوضع بالفعل على الأسعار التي سجلت ارتفاعاً حاداً في كل من أوروبا وآسيا، ما يثير مخاوف من ضغوط تضخمية وتداعيات اقتصادية أوسع، كما واجه المشترون في دول مثل الهند وبنغلادش وتايلاندا صعوبات في الحصول على شحنات فورية وفق متابعات بقش، مع إلغاء بعض المناقصات بسبب نقص البائعين وارتفاع الأسعار.
وتظهر بيانات “بلومبيرغ إن إي إف” التي رصدها بقش أن واردات الغاز الطبيعي المسال العالمية بلغت نحو 8 ملايين طن متري الأسبوع الماضي، بانخفاض قدره 26% مقارنة بالأسبوع السابق، بينما تراجعت الإمدادات بنسبة 16% خلال الفترة نفسها.
ورغم أن أمريكا تظل أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم، فإن الإمدادات الجديدة لن تكون قادرة على سد الفجوة في المدى القريب، إذ لا تزال عدة مشاريع قيد الإنشاء ولم تبدأ الإنتاج بعد. ومن بين هذه المشاريع مشروع “غولدن باس” في ولاية تكساس، إلى جانب توسعات في منشأة “كوربوس كريستي” ومشاريع أخرى في لويزيانا.
هذا الوضع أدى إلى إعادة تقييم توقعات السوق لعام 2026، فبعد أن كانت التقديرات تشير إلى فائض يتراوح بين 6 و8 ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال هذا العام، فإن محللي “مورغان ستانلي” يحذّرون من أن استمرار توقف الصادرات القطرية لأكثر من شهر قد يحول هذا الفائض سريعاً إلى عجز في الإمدادات، كما تشير تقديرات خبراء الطاقة إلى أن كل أسبوع يستمر فيه توقف الإنتاج القطري يقلص الفائض المتوقع بنحو 1.5 مليون طن، ما يعني أن السوق قد تدخل مرحلة العجز خلال أسابيع قليلة إذا استمر الاضطراب الحالي.


