
تقارير | بقش
تُظهر المعطيات المتقاطعة بين واقع الجالية اليمنية في تركيا والتطورات الاقتصادية الأوسع داخلها صورة مركبة، فمن جهة تكشف البيانات التركية المتاحة التي اطلع عليها “بقش” عن توسع ملحوظ في الحضور اليمني، خاصة في قطاع العقارات، ومن جهة أخرى تفرض التحولات الاقتصادية الداخلية –من تضخم وتقلبات نقدية– أسئلة حول استدامة هذا المسار، وجدواه على المدى الطويل.
وخلال السنوات الأخيرة، انتقل اليمنيون في تركيا من وضعية اللجوء أو البحث عن الاستقرار المؤقت، إلى نمط أكثر تعقيداً يقوم على إعادة توطين رأس المال. ويُقدّر عدد اليمنيين بنحو 30 ألف شخص، يتمركز معظمهم في مدن مثل إسطنبول وأنقرة، مع حضور أقل في مدن أخرى كبورصة وقونية وإزمير.
لم يكن التمركز عشوائياً، فقد ارتبط بعوامل اقتصادية وخدمية أبرزها توفر البنية التحتية، وسهولة الوصول إلى الأسواق، إضافة إلى وجود شبكات اجتماعية واقتصادية موازية، مثل المطاعم اليمنية والمؤسسات التعليمية، وبمرور الوقت تحولت هذه التجمعات إلى ما يشبه “اقتصاداً مصغراً” يعتمد على ذاته جزئياً، ويعيد إنتاج أنماط الحياة اليمنية في سياق مختلف.
طفرة عقارية وسط مخاطر التقلبات
أبرز مظاهر هذا التحول يظهر في قطاع العقارات، حيث سجلت الاستثمارات اليمنية قفزة لافتة خلال أقل من عقد. وحسب قراءة بقش تقريراً حديثاً لموقع “امتلاك” التركي، فقد ارتفع عدد العقارات المملوكة ليمنيين من 170 شقة فقط في عام 2015 إلى أكثر من 1300 عقار في 2021، مع نمو نسبته 536% خلال سنوات قليلة.
من خلال هذه الأرقام بدا أن المستثمر اليمني بتركيا انتقل من منطق شراء السكن إلى بناء محفظة استثمارية، مستفيداً من قانون 2012 الذي يتيح للأجانب التملك دون تقييد، كما أن التعديلات القانونية في 2018، التي ربطت الحصول على الجنسية التركية بالاستثمار العقاري، عززت هذا التوجه، وجعلت العقار أداة مزدوجة ما بين استثمار مالي ومسار قانوني للاستقرار.
لكن هذا التوسع لم ينفصل عن طبيعة الاقتصاد التركي نفسه، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات رأس المال الخارجي، ما يجعل السوق العقاري عرضة للتقلبات المرتبطة بهذه التدفقات.
وكما هو متداول من معلومات تركية، وفّرت القوانين خلال السنوات الماضية بيئة جاذبة نسبياً للمستثمر الأجنبي، بما في ذلك اليمني، سواء عبر تسهيلات الإقامة أو إمكانية الحصول على الجنسية، كما ساهمت إجراءات مثل منح إقامة عقارية لمدة عامين، وتبسيط إجراءات الدخول، في خلق شعور بالاستقرار القانوني.
إلا أن التحليلات تشير إلى أن هذه البيئة، رغم مرونتها، ليست ثابتة بالضرورة، فالتجارب السابقة تقول إن التغيرات في السياسات الضريبية أو النقدية يمكن أن تحدث بسرعة، وهو ما يجعل المستثمر الأجنبي عرضة لمخاطر تشريعية غير متوقعة. كما أن بطء النظام القضائي، الذي أشار إليه خبراء اقتصاديون، يمثل عاملاً إضافياً في تعقيد بيئة الأعمال.
الاقتصاد التركي: جاذبية مشروطة بتقلبات حادة
على المستوى الكلي، تبدو تركيا سوقاً ضخمة، حيث بلغ إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو 290 مليار دولار منذ 2003، مع وجود أكثر من 87 ألف شركة دولية وفق تتبُّع “بقش” لأحدث البيانات الصادرة عن الرئاسة التركية، كما سجلت تدفقات الاستثمار الأجنبي نحو 13.1 مليار دولار في 2025، في إشارة إلى استمرار الاهتمام الدولي بالسوق.
وتخفي هذه الصورة خلفها اختلالات عميقة، إذ شهد الاقتصاد التركي موجات تضخم حادة وصلت إلى نحو 75% في 2024، إضافة إلى تراجع قيمة العملة بنحو 20% خلال عام واحد، وهذه العوامل تؤثر على المؤشرات الكلية، وتنعكس أيضاً بشكل مباشر على المستثمرين، من خلال ارتفاع تكاليف التشغيل، وتآكل العوائد الحقيقية، وتزايد عدم اليقين في التوقعات المستقبلية. بالتالي، تبدو جاذبية السوق التركية مشروطة بقدرة الحكومة على ضبط هذه الاختلالات، وهو أمر لا يزال محل اختبار.
وتُلفت بيانات “بقش” إلى أن الليرة التركية خسرت 21% من قيمتها خلال 2025 وحده، إذ بدأت بالتراجع خلال الربع الأول من ذلك العام الذي دشنته بنحو 35.4 ليرة مقابل الدولار، حتى أغلقت العام بسعر يبلغ نحو 42.7 ليرة للدولار. واليوم الخميس (02 أبريل 2026)، وفي لحظة كتابة هذا التقرير، سجّل سعر الصرف أكثر من 44.4 ليرة تركية للدولار الواحد.
وبالنسبة للمستثمر اليمني، تفيد المعلومات المتوفرة بأن تركيا تمثل له خياراً وسطاً بين بيئة مضطربة في الداخل اليمني، وأسواق أكثر تعقيداً في الخارج. فهي توفر إمكانية الدخول إلى السوق بتكاليف أقل نسبياً، ومساراً قانونياً للإقامة أو الجنسية، وموقعاً جغرافياً يسمح بإدارة أعمال عابرة للحدود.
لكن في المقابل، يواجه هذا المستثمر تحديات حقيقية، أبرزها تقلب سعر الصرف وتأثيره على قيمة الاستثمارات، وتغير السياسات الاقتصادية بشكل متكرر، والمنافسة الإقليمية، خاصة من دول تقدم حوافز مشابهة. وهنا يصبح القرار الاستثماري موازنة دقيقة بين الاستقرار القانوني النسبي، والمخاطر الاقتصادية المتزايدة.
إعادة ترتيب سلاسل الاستثمار
تأتي هذه التحولات في وقت يشهد فيه الإقليم تغيرات أوسع، خاصة مع التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها في المنطقة، فهذه التوترات تدفع إلى تغيير سلاسل التوريد، وتفتح مسارات تجارية جديدة، وهو ما تحاول تركيا استثماره لتعزيز موقعها كمركز لوجستي.
غير أن هذه التحولات نفسها قد تعني أيضاً زيادة المنافسة، حيث تسعى دول أخرى في المنطقة إلى جذب الاستثمارات عبر حوافز مماثلة أو أكبر، ما يضع تركيا في سباق مفتوح على رأس المال العالمي.
في الخلاصة، لا يمكن النظر إلى تجربة المستثمرين في تركيا، خصوصاً اليمنيين، بوصفها قصة نجاح خالصة، فهي أقرب إلى تموضع اقتصادي اضطراري، تحكمه اعتبارات الأمن والاستقرار بقدر ما تحكمه حسابات الربح والخسارة.
ويعكس الاستثمار اليمني هناك قدرةً على التكيف مع بيئة جديدة، لكنه في الوقت ذاته يظل هشّاً أمام تقلبات الاقتصاد الكلي، والتغيرات السياسية، والتحولات الإقليمية، وبينما توفر القوانين والتسهيلات مدخلاً لهذا الاستثمار فإن استدامته تبقى رهناً بعوامل أكبر تتجاوز حدود قرار المستثمر الفرد إلى بنية الاقتصاد ذاته.


