الاقتصاد العربي
أخر الأخبار

السعودية تفتح سوق العقارات أمام الأجانب… إصلاحات غير مسبوقة تشمل مكة المكرمة والمدينة

الاقتصاد العربي | بقش

تتسارع خطوات السعودية نحو تنفيذ واحد من أكبر إصلاحاتها العقارية خلال العقد الأخير، مع تأكيد سلطات التنظيم العقاري أن العمل جارٍ على إعداد اللوائح النهائية التي ستتيح للأجانب امتلاك مختلف أنواع العقارات داخل المملكة اعتباراً من يناير المقبل، بما يشمل المدن المقدسة للمرة الأولى. يأتي ذلك ضمن جهود سياسية واقتصادية واسعة لفتح الاقتصاد السعودي وجذب رؤوس الأموال الأجنبية وتنشيط سوق العقارات التي أصبحت محوراً رئيسياً في رؤية 2030.

وبحسب تقرير اطلع عليه مرصد “بقش” لوكالة بلومبيرغ، تستعد الأسواق العقارية في الرياض وجدة ومكة والمدينة لتغيير جذري في هيكلة الملكية، مع سعي المملكة لتعزيز حضورها كوجهة استثمارية إقليمية ودولية. وتأتي هذه الإصلاحات في وقت تواجه فيه الرياض ضغوطاً لزيادة جاذبيتها للشركات والمواهب، وسط ارتفاع تكلفة السكن ونقص كبير في المخزون العقاري خلال السنوات الماضية.

وتشير المؤشرات الأولية إلى أن السماح بالملكية الأجنبية يهدف إلى سد فجوة الطلب، وتحريك القطاع العقاري الراكد في بعض المدن، وتمكين الشركات الأجنبية من تأسيس مراكز أقوى داخل المملكة، بما يراكم رؤوس أموال طويلة الأجل ويعيد تشكيل خريطة الاستثمار الإقليمي.

ملكية واسعة النطاق… تشمل السكني والتجاري والصناعي والزراعي

أكدت الهيئة العامة للعقار في السعودية حسب اطلاع بقش أن خطط فتح السوق ستتيح لغير السعوديين امتلاك العقارات السكنية والتجارية والصناعية والزراعية، إضافة إلى تملك الأراضي بغرض التطوير. وتشمل العملية أيضاً إمكانية إدراج مشاريع ضخمة ضمن المناطق المؤهلة للشراء، في خطوة توسع بشكل غير مسبوق نطاق الملكية المتاحة للأجانب.

وقال فهد بن سليمان، المدير التنفيذي لملكية العقار لغير السعوديين، إن المناطق المحددة للملكية الأجنبية لا تزال قيد المراجعة، إلا أن القائمة “واسعة جداً” وتشمل الرياض وجدة والمدن المقدسة. وأشار إلى أن اللوائح المنظمة ستُعلن “قريباً جداً” بالتزامن مع بدء العمل بالقواعد في يناير.

هذه الخطوات تأتي بعد تعديل شامل لقانون الملكية العقارية أقرته المملكة في يوليو الماضي، بما يعكس إرادة سياسية واضحة لفتح قنوات الاستثمار وتخفيف القيود التي كانت تحد من دخول رؤوس الأموال الأجنبية.

المدن المقدسة… السماح بالشراء بشروط دينية

تشكل مكة المكرمة والمدينة المنورة أبرز النقاط الحساسة في الإصلاحات الجديدة، إذ سمحت المملكة رسمياً بملكية الأجانب للعقارات داخلهما، شرط أن يكون المشتري مسلماً. ورغم حساسية القرار، أوضح مسؤولو الهيئة أن الشروط “ليست معقدة” وأن الهدف هو التيسير وليس التضييق.

وتُعد هذه الخطوة تحولاً تاريخياً في تنظيم العقارات داخل المدينتين، حيث كانت الممارسات السابقة تعتمد على عقود استثمار طويلة الأجل بدلاً من الملكية المباشرة. ووفق قراءة بقش لبلومبيرغ، فإن نسبة الملكية المتاحة للأجانب في هذه المناطق قد تتراوح بين 70% و90%، وهي مستويات مرتفعة تعكس رغبة المملكة في جذب استثمارات ذات ثقل.

ويرى مسؤولون أن فتح المدن المقدسة تدريجياً أمام الاستثمار الخارجي سيساهم في توسعة البنية التحتية للضيافة والسكن، خصوصاً مع الطلب المتزايد على الحج والعمرة والزيارات الدينية.

إطلاق بوابة “عقارات السعودية”… خطوة لتهيئة السوق للانفتاح الكامل

أطلقت الهيئة العامة للعقار هذا الأسبوع منصة “عقارات السعودية”، التي ستعمل كمنصة رسمية لعرض العقارات المؤهلة للشراء من قبل الأجانب حسب متابعة بقش، إضافة إلى تحديد المناطق الجغرافية المسموح بها. وتهدف المنصة إلى خلق بيئة واضحة ومُنظمة تقلل من مخاطر الاستثمار وتمنح المشترين ثقة أكبر في السوق.

وتتوقع الهيئة أن يسهم هذا التحول في تقليص الأعباء التي كانت تواجه المستثمرين سابقاً، مثل غياب المعلومات الموثوقة وصعوبة إجراءات التملك. كما تعمل الجهات التنظيمية بالتوازي على تسهيل دخول الأجانب إلى أسواق رأس المال، مع توقعات بالسماح قريباً بامتلاك الأغلبية في الأسهم السعودية، في خطوة تكمل الانفتاح العقاري المنتظر.

وتشير تصريحات الهيئة التي تابعها بقش إلى أن الهدف النهائي هو “فتح السوق بالكامل”، بحيث يتمكن الأجانب من زيارة المملكة والشراء والاستثمار دون تعقيدات، وبما يحقق توازناً يحافظ على مصالح المستثمرين ويحمي استقرار السوق المحلية.

إصلاحات ضمن رؤية 2030

تأتي التغييرات الجديدة في لحظة تتعرض فيها سوق العقار السعودية لتقلبات حادة، حيث أدى ارتفاع الإيجارات وأسعار الأراضي إلى تعقيد جهود جذب الشركات العالمية إلى الرياض. وتراهن المملكة على أن فتح السوق للأجانب سيعيد تشكيل القطاع بشكل جذري، ويرفع حجم العرض، ويخفّف الضغوط على الطلب المحلي.

كما ترى الحكومة أن قطاع العقارات يجب أن يصبح أحد محركات النمو الاقتصادي غير النفطي، خاصة أن الاقتصاد السعودي يتوسع بسرعة ضمن برامج التحول الوطني. وتقدّر الجهات الرسمية أن تمكين الأجانب من التملك سيجلب سيولة جديدة ويحفز الشركات العقارية على التوسع وتطوير مشاريع أكبر وأكثر تنوعاً.

وتؤكد هذه الإصلاحات أيضاً رغبة المملكة في خلق منافسة أقوى داخل السوق، وجذب المؤسسين والمطورين العالميين، وتحويل المدن السعودية الكبرى إلى وجهات استثمارية وإقليمية مشابهة لمدن كبرى في آسيا وأوروبا.

تدخل السعودية مطلع العام المقبل إحدى أكثر المراحل التحولية في قطاع العقارات منذ عقود، مع فتح أبواب الملكية للأجانب وتحرير قواعد السوق بما يتجاوز ما كان متاحاً سابقاً. ورغم الجدل حول تأثير هذه الخطوات على الأسعار وعلى السوق المحلية، فإن الإطار العام للتحول يشير إلى توجه استراتيجي طويل الأمد لجذب رؤوس الأموال وتعزيز موقع المملكة كمركز اقتصادي عالمي.

وعلى وقع هذه الإصلاحات، يبدو أن العام 2026 سيشكل نقطة اختبار لمدى قدرة السوق على استيعاب هذا الانفتاح، ولقياس حجم التدفقات الاستثمارية، ومدى تأثيرها في معالجة التحديات العقارية التي تراكمت خلال السنوات الماضية.

زر الذهاب إلى الأعلى