تقارير
أخر الأخبار

الصين تحظر استثماراتها في إسرائيل.. ما هي أزمة “هانيتا”؟

تقارير | بقش

يواجه كيبوتس هانيتا، الواقع قرب الحدود الشمالية لإسرائيل، صراعاً قانونياً مع صندوق “باليه فيجن” الصيني، الذي يسيطر على نسبة 80% من مصنع “هانيتا” لإنتاج عدسات داخل العين الطبية، وتطالب الدعوى القضائية التي رُفعت أمام محكمة تل أبيب الجزئية الصندوقَ الصيني بمبلغ 11 مليون دولار، متهمةً إياه برفض شراء الأسهم المتبقية للكيبوتس، وفقاً للاتفاقية المبرمة بين الطرفين.

ووفق قراءة بقش، يعود أصل القضية إلى عام 2021، حين باع الكيبوتس 74% من أسهم المصنع للصندوق الصيني مقابل 35 مليون دولار، تم دفع 25 مليون دولار منها لأعضاء الكيبوتس، مع ضخ 10 ملايين دولار إضافية في الشركة لدعم عملياتها التشغيلية وتوسيع إنتاجها الطبي.

وشمل الاتفاق خياراً للكيبوتس لبيع ما تبقى من الأسهم للصندوق لاحقاً، إلا أن الصندوق لم ينفذ هذا الخيار، ما دفع الكيبوتس للجوء إلى القضاء لاستعادة حقوقه المالية.

حظر الاستثمارات الصينية

في رد مكتوب ضمن الوثائق القانونية، قال الصندوق الصيني إن الحكومة الصينية صنفت إسرائيل منذ اندلاع الحرب الأخيرة على غزة، بأنها “منطقة عالية المخاطر” أو “فئة حمراء”، وفرضت حظراً على أي استثمارات جديدة في البلاد، وحسب هذا التصنيف يصبح أي استثمار صيني جديد أو استكمال شراء حصص موجودة أمراً محظوراً قانوناً، وهو ما يبرر رفض الصندوق تنفيذ خيار الشراء وفق الاتفاق.

وباطلاع بقش على ما نُشر في موقع “واي نت” الإسرائيلي، فإن تحليل هذه القضية يكشف طبقات متعددة من التعقيد، بدءاً من الأبعاد الاقتصادية وصولاً إلى البعد السياسي الدولي.

اقتصادياً، يمثل مصنع هانيتا نقطة استراتيجية في صناعة المعدات الطبية الدقيقة، وخاصة عدسات العين، ما يجعل أي تعثر في استثماراته تهديداً لسلسلة الإمدادات الطبية داخل إسرائيل وخارجها، ولا يؤثر رفض الصندوق شراء الأسهم المتبقية على حقوق أعضاء الكيبوتس فقط، إذ قد يعيق توسع المصنع ويؤثر على العمالة المحلية والاستثمارات المستقبلية في قطاع التكنولوجيا الطبية.

أما على الصعيد السياسي، فالأزمة تكشف عن انعكاس السياسة الصينية الخارجية على الاستثمارات العالمية، حيث يمكن أن تُصنف أي صراع أو نزاع مسلح في دولة ما على أنه “منطقة عالية المخاطر”، ما يؤدي إلى تجميد أو إلغاء استثمارات كبيرة كانت قد أُبرمت مسبقاً، ويؤكد ذلك على تأثير السياسات الدولية على الأعمال التجارية، ويضع المستثمرين في موقف حرج بين الالتزام بالاتفاقيات الموقعة ومتطلبات الدولة الأم، التي قد تمنعهم من الوفاء بهذه الالتزامات.

لمحة عن العلاقات الاقتصادية

تعود العلاقات الاقتصادية بين الصين وإسرائيل إلى عام 1987، حين أسس رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريز شركة كوبيكو الحكومية، بهدف تطوير أنشطة تجارية بين الشركات الصينية والإسرائيلية، لكن الشركة توقفت عن العمل عام 1992، وظلت العلاقات الاقتصادية محدودة في التسعينيات من القرن العشرين، قبل أن تنمو تدريجياً على مدى العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين.

وحسب بيانات إسرائيلية اطلع عليها بقش، ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من 1.07 مليار دولار عام 2001، ووصل ذروته عام 2018 بنحو 11.6 مليار دولار، وفي هذه الفترة كان الميزان التجاري دائماً لصالح الصين. وتستحوذ المكونات الإلكترونية عالية التقنية علـى الحصة الكبرى من الصادرات الإسرائيلية إلى الصين، إذ بلغت نسبتها 51% من إجمالي الصادرات بين عامي 2015 و2018.

وقد نفذت الشركات الصينية المملوكة للدولة حوالي 53% من إجمالي الاستثمارات الصينية في إسرائيل، تركزت على مشاريع البنية التحتية الكبيرة، في حين نفذت الشركات الخاصة استثمارات في قطاع التكنولوجيا الفائقة بنحو 34% من إجمالي الصفقات.

ومنذ تولي ترامب رئاسته الأولى عام 2017، ضغطت واشنطن على إسرائيل لإعادة النظر في علاقاتها الاقتصادية مع الصين، خشية حصول بكين على التقنيات العسكرية الأمريكية المتطورة، إذ تستثمر الصين في شركات التكنولوجيا الإسرائيلية التي تُجري فيها إسرائيل مشاريع دفاعية مشتركة مع الولايات المتحدة.

مخاطر على الشركات الإسرائيلية

تطرح الدعوى تساؤلات حول المخاطر المرتبطة بالشراكات بين الشركات الإسرائيلية والصناديق الاستثمارية الأجنبية، خصوصاً الصينية، في ظل الأزمات الجيوسياسية، فبينما تسعى الصين لتعزيز نفوذها الاقتصادي عالمياً، فإن التدخل الحكومي المباشر في تصنيف المناطق وفرض قيود على الاستثمار يعكس مدى ارتباط الاستثمارات التجارية بالسياسات الدولية والأمن القومي، وهو ما يزيد من عدم اليقين لدى المستثمرين المحليين والدوليين على حد سواء.

ومن منظور قانوني، سيتعين على محكمة تل أبيب الفصل بين الالتزامات التعاقدية للصندوق وقيود الحكومة الصينية، وهي معضلة صعبة، إذ إن الحكم قد يفتح الباب أمام دعاوى مماثلة ضد صناديق استثمارية أجنبية تعمل في إسرائيل، خاصة تلك المرتبطة بحكومات قوية تفرض سياسات استثمارية صارمة.

وتُظهر أزمة كيبوتس “هانيتا” وصندوق “باليه فيجن” مدى التشابك بين السياسة والاقتصاد في عالم اليوم، حيث يمكن للحروب والنزاعات الدولية أن تؤثر مباشرة على اتفاقيات تجارية واستثمارات استراتيجية، وتضع أصحاب المصالح الصغيرة، مثل أعضاء الكيبوتس، في مواجهة مع قوة اقتصادية وجيوسياسية كبرى.

زر الذهاب إلى الأعلى