تقارير
أخر الأخبار

الصين تضاعف ترسانة غواصاتها النووية.. التفوق البحري الأمريكي في أزمة جادة

تقارير | بقش

لم يعد التفوق البحري الذي تمتعت به الولايات المتحدة لعقود من الزمن حقيقة مطلقة، بل أصبح اليوم عقيدة عسكرية تواجه اختباراً وجودياً قاسياً في أعماق المحيطات. ففي تحول استراتيجي ينذر بتغيير موازين القوى العالمية، تمكنت الصين من كسر الاحتكار الغربي لتقنيات وتيرة بناء الغواصات النووية، متجاوزة القدرات الصناعية الأمريكية لأول مرة في التاريخ الحديث. هذا التطور الدراماتيكي لا يعكس مجرد سباق تسلح تقليدي، بل يترجم انتقال بكين من استراتيجية “الدفاع الساحلي” إلى استراتيجية “الهيمنة في المياه الزرقاء”، وهو ما يضع الأسطول الأمريكي أمام تحدٍ غير مسبوق يهدد قدرته على عرض القوة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وتكشف لغة الأرقام عن واقع صادم لواشنطن؛ فوفقاً للبيانات الدقيقة التي اطلع عليها “بقش” والصادرة عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، والمدعومة بصور الأقمار الصناعية لأحواض بناء السفن الصينية المنيعة، حققت بكين قفزة هائلة خلال الفترة من 2021 إلى 2025. فقد نجحت الصين في إطلاق 10 غواصات نووية بحمولة إجمالية بلغت 79 ألف طن، متفوقة على الولايات المتحدة التي لم تتمكن سوى من إطلاق 7 غواصات بحمولة 55.5 ألف طن. وتتجلى خطورة هذا التحول عند مقارنته بالفترة الممتدة بين 2016 و2020، حين كانت الصين تلهث للحاق بالركب بإطلاق 3 غواصات فقط مقابل 7 لأمريكا، مما يؤكد أن الآلة الصناعية العسكرية الصينية قد دخلت مرحلة الإنتاج المفرط.

هذا الانقلاب في موازين الإنتاج يلقي بظلاله الثقيلة على المشهد السياسي في واشنطن، ويشكل تحدياً مباشراً للعقيدة الأمنية التي طالما نادى بها الرئيس ترامب والمتمثلة في “إحلال السلام من خلال القوة”. فبينما تسعى الإدارة الأمريكية لتعزيز الردع في وجه النفوذ الصيني المتمدد نحو تايوان وبحر الصين الجنوبي، تصطدم هذه الطموحات الجيوسياسية بواقع صناعي مأزوم.

قدرة بكين على تحويل التصاميم الهندسية إلى غواصات نووية تجوب المحيطات بوتيرة أسرع من أمريكا، تجعل من مفهوم التفوق التكنولوجي الأمريكي مجرد ميزة نظرية تتآكل تدريجياً أمام طوفان الإنتاج الكمي الصيني.

طفرة بكين الصناعية مقابل تعثر الترسانة الأمريكية

يكمن السر وراء هذا التفوق الصيني في التوظيف الاستراتيجي للبنية التحتية الصناعية الضخمة، وتحديداً ما يُعرف بـ”ازدهار بوهاي”. فقد ضخت بكين استثمارات سيادية هائلة لتوسيع حوض بناء السفن “هولوداو” التابع لشركة “بوهاي” للصناعات الثقيلة في شمال البلاد. هذا التوسع لم يضاعف قدرة الصين على بناء غواصات الصواريخ الباليستية (SSBNs) من طراز 094 فحسب، بل مكنها أيضاً من إنتاج غواصات هجومية مزودة بأنظمة إطلاق عمودي (VLS) قادرة على إطلاق صواريخ مضادة للسفن تفوق سرعتها سرعة الصوت. وإلى جانب أسطولها المكون من 46 غواصة تقليدية، يعكس هذا التحول نحو الطاقة النووية نية الصين الواضحة في إبقاء أساطيلها فترات أطول في أعماق المحيطات المفتوحة بعيداً عن شواطئها.

في المقابل، تعيش القاعدة الصناعية البحرية في أمريكا حالة من الشلل الهيكلي المتفاقم، وهو ما أكدته تقارير مراكز أبحاث الكونغرس وتحليلات شبكات مالية مرموقة مثل وكالة بلومبيرغ، التي طالما حذرت من هشاشة سلاسل التوريد العسكرية الأمريكية. فالولايات المتحدة تعجز حالياً عن تحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في بناء غواصتين هجوميتين من فئة “فرجينيا” سنوياً، مكتفية بتسليم ما بين 1.1 إلى 1.2 غواصة فقط.

ولا يقتصر الفشل على الغواصات الهجومية، بل يمتد إلى درة تاج الردع النووي الأمريكي؛ حيث يعاني برنامج غواصات “كولومبيا” للصواريخ الباليستية من تأخير لا يقل عن عام كامل، لتتأجل أولى عمليات التسليم إلى عام 2028 وفق تتبُّع بقش، وسط أزمات نقص العمالة الماهرة وتقادم الأحواض الجافة.

ولم تكن القيادة العسكرية الأمريكية بعيدة عن هذا الاعتراف المرير بالواقع، حيث لخص وزير البحرية الأمريكي، جون فيلان، المشهد بعبارات لا تقبل التأويل خلال إفادته أمام مجلس النواب. فقد أقر بأن برامج بناء الأسطول البحري تعيش “حالة من الفوضى” العارمة، مشيراً إلى أن أفضل البرامج أداءً يعاني من تأخير يصل إلى ستة أشهر وتجاوز في الميزانية المخصصة بنسبة مرعبة تبلغ 57%. هذا الاعتراف الرسمي يكشف أن المشكلة في أمريكا لم تعد تتعلق بنقص التمويل أو الميزانيات الدفاعية، بل بانهيار متكامل في النظام الصناعي الذي فقد مرونته وقدرته على تلبية متطلبات الأمن القومي في الوقت المناسب.

معضلة “أوكوس” وفجوة الردع في العقد الحاسم

على الرغم من هذه الإخفاقات الصناعية، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق كمي ونوعي في إجمالي الأسطول العامل؛ إذ تمتلك أمريكا حتى أوائل عام 2025 نحو 65 غواصة نووية، منها 14 غواصة باليستية، مقارنة بـ 12 غواصة نووية صينية فقط.

كما يجمع الخبراء العسكريون على أن الغواصات الأمريكية تتفوق بأشواط على نظيرتها الصينية من حيث هندسة التخفي والقدرة على تجنب الرصد الصوتي. لكن التاريخ العسكري وفق قراءة بقش يؤكد أن “الكم له جودته الخاصة”، فمع امتلاك بكين لأكبر أسطول في العالم من المدمرات والفرقاطات السطحية، والعمل على إدخال غواصات الجيل الجديد من طراز 096 إلى الخدمة قريباً، فإن هذا الفارق النوعي الأمريكي آخذ في الانحسار بسرعة تفوق التوقعات.

ما يعمق الأزمة الأمريكية هو ما أشار إليه تقرير دائرة أبحاث الكونغرس (CRS) حول ما يُعرف بـ”هاوية التقاعد” وفق اطلاع بقش. فمع خروج غواصات فئة “لوس أنجلوس” القديمة من الخدمة، سيصل عدد غواصات الهجوم الأمريكية إلى أدنى مستوياته التاريخية ليبلغ 47 غواصة فقط بحلول عام 2030.

الأسوأ من ذلك، أن الأسطول لن يتمكن من استعادة عتبة الـ50 غواصة قبل عام 2032، وحتى هذا التوقع يظل مرهوناً بنجاح أحواض بناء السفن في تجاوز عثراتها الحالية. هذا التراجع يخلق “نافذة ضعف” استراتيجية حرجة خلال السنوات الخمس المقبلة، وهي الفترة التي تتوقع فيها الاستخبارات الغربية أن تكون الصين في أوج استعدادها العسكري لفرض واقع جديد في المحيط الهادئ.

وتأتي تحالفات واشنطن الاستراتيجية لتزيد من تعقيد هذه المعادلة الحسابية، وتحديداً معاهدة “أوكوس” (AUKUS) الأمنية. فرغم أن الخطة التي تقضي ببيع ما بين ثلاث إلى خمس غواصات من فئة “فرجينيا” لأستراليا تهدف لتعزيز الردع الحليف في المحيط الهادئ على المدى الطويل، إلا أنها على المدى القريب تستنزف الأسطول الأمريكي المتناقص أصلاً. هذه المعضلة تضع صناع القرار في أمريكا أمام مقايضة صعبة: إما الوفاء بالتزامات الحلفاء على حساب الجاهزية الذاتية، أو التراجع عن دعم شركاء واشنطن، وفي كلتا الحالتين، فإن النتيجة المباشرة هي إضعاف القدرة الشاملة على ردع خصم صيني يتحرك بسرعة وخطط إنتاج لا تعرف التوقف.

زر الذهاب إلى الأعلى