
تقارير | بقش
شهدت العلاقات السعودية الأمريكية منعطفاً جديداً عقب الزيارة الرسمية لولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى واشنطن ولقائه بترامب في البيت الأبيض، حيث أعلن بن سلمان عن زيادة الاستثمارات من 600 مليار إلى تريليون دولار، وهو ما دفع ترامب إلى شكره ووصفه بأنه “صديق صدوق”.
وقال بن سلمان إن هذا الاستثمار السعودي في أمريكا “لا يأتي لإرضاء واشنطن”، بل بسبب “وجود فرص حقيقية في الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والطاقة” وفق اطلاع بقش، واصفاً اللحظة بأنها “تاريخية واستثنائية للعمل على المستقبل”.
وذكر أن الولايات المتحدة “دولة مهمة تمتلك اقتصاداً قوياً”، وأن الفرص في سوقها تُعد “الأكثر حيوية في العالم”، مشدداً على أن العلاقة بين الرياض وواشنطن “لا يمكن استبدالها”، وأن عهده مع الرئيس ترامب يمثل “فصلاً جديداً رائعاً”.
وفي يناير الماضي أعلنت السعودية نيتها ضخ استثمارات في أمريكا بقيمة 600 مليار دولار خلال أربع سنوات، بعد أن طالبها ترامب بـ500 مليار دولار.
الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي: محور الشراكة الجديد
أحد أهم الملفات التي سيطرت على المحادثات هو ملف الرقائق المتطورة، إذ كشف ترامب أن واشنطن تجري محادثات مع السعودية بشأن تصدير هذه الرقائق إليها. وقال بن سلمان إن المملكة تحتاج إلى “قدرة حوسبية هائلة” للتغلب على نقص الموارد البشرية، وإن القطاع الخاص الأمريكي سيكون شريكاً رئيسياً في هذا المجال.
كما أعلن أن السعودية ستضخ 50 مليار دولار في المدى القريب لاستهلاك الرقائق داخل المملكة، بانتظار موافقة واشنطن على هذا الحجم من الاستهلاك.
وفي سياق متصل، تبرز شركة “هيوماين” السعودية التي أُطلقت في مايو الماضي كأحد أعمدة الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، إذ تطمح المملكة لأن تصبح ثالث أكبر مزود لقدرات الحوسبة في العالم بعد الولايات المتحدة والصين حسب متابعات بقش، لكن تحقيق هذا الهدف مرتبط بترخيص أمريكي لتوريد الرقائق.
أيضاً، ردّ ترامب على أسئلة الصحفيين بقوله إنه يرى إمكانية إبرام صفقة نووية مدنية مع السعودية، في إشارة إلى نقاشات حول تطوير برنامج نووي سلمي سعودي. وتُعتبر السعودية مستثمراً رئيسياً في الطاقة المتجددة، وتعد الطاقة النووية ركيزة مستقبلية لخفض الانبعاثات وتقليل الاعتماد على النفط.
صفقة طائرات F-35: نقلة دفاعية جديدة
ومن المحتمل تزويد السعودية بمقاتلات F-35 “المماثلة لما لدى إسرائيل”، مشيراً إلى أن بلاده تصنّع “أفضل المعدات العسكرية في العالم”. وتعد F-35 من أكثر الطائرات تطوراً، وتجمع بين التخفي والسرعة والقدرات الشبكية، وتصفها القوات الجوية الأمريكية بأنها “متعددة المهام وعالية الأداء”.
هذا الملف يمثل تحولاً كبيراً في معايير التعاون العسكري، إذ ظل بيع هذه الطائرة للسعودية موضع نقاش طويل في واشنطن.
إلى ذلك قال بن سلمان إن بلاده تعمل بشكل وثيق للمساعدة في إبرام اتفاق جيد بين الولايات المتحدة وإيران، مضيفاً: “نريد أن نساعد على السلام.. ونتوق لهذا اليوم”. ويعكس هذا التصريح محاولة سعودية لقيادة مسار التهدئة الإقليمي، خصوصاً في ظل ما تمثله العلاقات الأمريكية الإيرانية من توترات مزمنة تهدد استقرار الشرق الأوسط.
وتُظهر التطورات الأخيرة أن السعودية والولايات المتحدة تدخلان مرحلة جديدة من التحالف الاقتصادي والسياسي والعسكري، ويبدو أن الرياض عبر بوابة الاستثمارات الضخمة والتكنولوجيا المتقدمة والوساطة السياسية، تسعى لتثبيت موقعها كقوة إقليمية مؤثرة ومركز استقرار في الشرق الأوسط. وفي المقابل، تعتمد واشنطن على الشراكة السعودية لتحقيق توازن استراتيجي في المنطقة، وتعزيز أمن الطاقة، وقيادة السباق العالمي في الذكاء الاصطناعي والرقائق.


