تحدٍّ جديد لأمريكا الشمالية.. ترامب يهدد بالانسحاب من اتفاقية التجارة الحرة مع كندا والمكسيك

الاقتصاد العالمي | بقش
تتجه الأنظار إلى واشنطن بعد تقارير تابعها “بقش” من وكالة رويترز، أفادت بأن ترامب يدرس بشكل خاص خيار الانسحاب من اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا “USMCA”، وهي الاتفاقية التي تفاوض عليها بنفسه لتحل محل “نافتا” عام 2020.
ورغم أن البيت الأبيض قلل من أهمية ما وُصف بأنه “تكهنات”، مؤكداً أن أي إعلان رسمي سيصدر فقط عن الرئيس، فإن مجرد تداول هذا الاحتمال كفيل بإعادة إدخال قدر كبير من عدم اليقين إلى أكبر تكتل تجاري في العالم من حيث القيمة.
وتمثل USMCA الإطار الناظم لتجارة تتجاوز قيمتها 1.5 تريليون دولار سنوياً بين الدول الثلاث حسب قراءة بقش، وتشكل العمود الفقري لسلاسل الإمداد في قطاعات السيارات والطاقة والزراعة والصناعات التحويلية، ومن ثم فإن التفكير في الانسحاب لا يُعد مجرد خطوة سياسية، بل قراراً ذا تداعيات اقتصادية واسعة النطاق.
ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في يوليو 2020 بعد مفاوضات شاقة هدفت إلى تحديث قواعد التجارة الإقليمية، خصوصاً في قطاع السيارات، وتعزيز معايير العمل والملكية الفكرية، وتشديد قواعد المنشأ. وقد اعتُبرت آنذاك انتصاراً سياسياً لترامب، إذ أعاد صياغة الاتفاق السابق بما يتماشى مع أجندته التجارية.
وتعتمد الشركات الأمريكية والكندية والمكسيكية بشكل عميق على تكامل سلاسل التوريد. فقطاع السيارات، على سبيل المثال، يعمل وفق نموذج إنتاج عابر للحدود، حيث يمكن أن يعبر المكون الواحد الحدود عدة مرات قبل أن يتحول إلى منتج نهائي، كما تعتمد الزراعة الأمريكية على السوقين الكندية والمكسيكية لتصريف صادرات الذرة واللحوم ومنتجات الألبان.
نتائج اقتصادية محتملة
أي انسحاب أمريكي من الاتفاقية قد يعيد فرض رسوم جمركية وفق قواعد منظمة التجارة العالمية، ما يرفع كلفة المدخلات الصناعية ويؤدي إلى زيادة أسعار المنتجات النهائية، وسيكون قطاع السيارات من أكثر القطاعات تأثراً، إذ قد ترتفع كلفة الإنتاج نتيجة الرسوم وتفكك سلاسل الإمداد المتكاملة، ما ينعكس على الأسعار للمستهلك الأمريكي ويضغط على هوامش أرباح الشركات.
تشير تقديرات سابقة إلى أن التجارة الإقليمية دعمت ملايين الوظائف في الدول الثلاث، وقد تؤدي إعادة فرض الحواجز إلى تباطؤ الاستثمار الصناعي، خصوصاً في المناطق الحدودية التي تعتمد على التصنيع المشترك، وقد تواجه الشركات قرارات صعبة بين نقل الإنتاج إلى داخل الولايات المتحدة بتكلفة أعلى، أو فقدان الوصول التفضيلي للأسواق المجاورة.
ومجرد الإشارة إلى احتمال الانسحاب قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بأمريكا الشمالية. قد يشهد البيزو المكسيكي والدولار الكندي تقلبات حادة، في حين قد تتعرض أسهم شركات التصنيع والنقل لضغوط بيعية، كما قد يتأثر تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تراهن على استقرار الإطار التجاري الإقليمي.
المزارعون الأمريكيون يعتمدون بدرجة كبيرة على المكسيك وكندا كسوقين رئيسيين وفق تقارير سابقة لـ”بقش”، وقد يُضعف فرضُ رسوم جمركية متبادلة القدرةَ التنافسية للصادرات الزراعية الأمريكية، ويفتح المجال أمام موردين بديلين من أمريكا الجنوبية أو أوروبا. في المقابل، قد تتأثر تجارة الطاقة، خصوصاً صادرات الغاز الطبيعي الأمريكية إلى المكسيك، والتي شهدت نمواً كبيراً في السنوات الأخيرة.
وقد يدفع انسحاب الولايات المتحدة كندا والمكسيك إلى تسريع تعميق علاقاتهما التجارية مع شركاء آخرين، مثل الاتحاد الأوروبي أو الصين، وقد يعزز ذلك توجهات تنويع الشركاء بعيداً عن السوق الأمريكية، بما يحد من النفوذ الاقتصادي الأمريكي في المنطقة على المدى الطويل.
البعد السياسي والاستراتيجي
يأتي هذا الاحتمال في سياق أوسع من إعادة تقييم الاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف، وتنامي النزعة “الحمائية” في الخطاب السياسي الأمريكي منذ صعود ترامب إلى رئاسته الثانية في يناير 2025، وقد يُستخدم التهديد بالانسحاب كورقة ضغط في مفاوضات لإعادة التوازن في بعض البنود، بدلاً من كونه خطوة نهائية.
غير أن الانسحاب الفعلي سيحمل تكلفة سياسية أيضاً، إذ قد يثير اعتراضات من الكونغرس وقطاعات الأعمال التي استفادت من الاتفاق، كما أن تقويض اتفاق تفاوضت عليه الإدارة نفسها قد يبعث إشارات متناقضة بشأن استقرار السياسة التجارية الأمريكية.
وحتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية تؤكد اتخاذ قرار نهائي، إلا أن التجربة السابقة تُظهر أن السياسة التجارية في عهد ترامب تتسم باستخدام أدوات الضغط القصوى لإعادة فتح ملفات التفاوض. وفي هذا السياق، قد يكون طرح الانسحاب جزءاً من استراتيجية تفاوضية، لا إعلاناً لقطيعة وشيكة.
التفكير في الانسحاب من الاتفاقية يُعد تطوراً قد يعيد تشكيل المشهد الاقتصادي لأمريكا الشمالية، فالاتفاقية بمثابة إطار ينظم شبكة معقدة من التدفقات التجارية والاستثمارية، وأي خلل في هذا الإطار قد ينعكس سريعاً على الأسعار، وسلاسل الإمداد، وأسواق العمل، والاستقرار المالي في الدول الثلاث.


