الاتحاد الأوروبي يسرّع خطة مصادرة 140 مليار يورو من أصول روسيا.. تعقيدات قانونية وسباق مع الوقت

الاقتصاد العالمي | بقش
عجّل الاتحاد الأوروبي جهوده خلال الأيام الماضية للوصول إلى صيغة نهائية لاستخدام الأصول الروسية السيادية المجمّدة داخل أوروبا، والتي تبلغ 140 مليار يورو، بهدف تمويل احتياجات أوكرانيا الدفاعية والمالية خلال عامي 2026 و2027.
جاء هذا التسريع بعد طرح مقترح السلام المدعوم من الولايات المتحدة الأسبوع الماضي، والمؤلف من 28 بنداً، وهو ما أثار جملة أفكار جديدة ولّد بعضها انطباعاً لدى الأوروبيين بأن المقترح الأمريكي “منحاز لموسكو” حسب متابعة بقش، الأمر الذي دفع بروكسل للتحرك بسرعة أكبر.
خلافات أوروبية: بلجيكا في قلب العرقلة
في قمة الاتحاد الأوروبي الشهر الماضي حاول القادة الاتفاق على خطة استخدام هذه الأصول كقرض لكييف، إلا أن المسار تعثر بسبب معارضة بلجيكا، حيث تُحتجز داخل أراضيها الحصة الأكبر من الأموال الروسية المجمّدة عبر مؤسسة “يوروكلير”.
ووفقاً للمسؤولين، تحاول المفوضية الأوروبية هذا الأسبوع تقديم مسودة مقترح قانوني يُعالج المخاوف البلجيكية لضمان الدعم الكامل قبل قمة 18 ديسمبر المقبل.
والخطة التي يجري نقاشها منذ أكتوبر تنص على إقراض أوكرانيا 140 مليار يورو من أصول البنك المركزي الروسي المجمّدة في أوروبا، واستخدام القرض في الدفاع والإنفاق الجاري للموازنة، ووفق اطلاع بقش فإن سداد القرض سيكون فقط عند حصول كييف على تعويضات حرب من روسيا مستقبلاً.
هذه الآلية تمنح حكومات الاتحاد متنفساً مالياً كونها أكبر ممول لأوكرانيا منذ بداية الحرب في فبراير 2022.
لماذا تعترض بلجيكا؟
المخاوف البلجيكية مركّزة في محورين، الأول هو الدعاوى القضائية المحتملة من روسيا، فبلجيكا قلقة من احتمال أن ترفع موسكو دعاوى ضد مؤسسة يوروكلير، وهو سيناريو مكلف وطويل الأمد، وقد يستمر لسنوات. وتريد بروكسل ضمانات بتقاسم دول الاتحاد كلفة أي دعاوى أو أحكام محتملة، وآلية واضحة لتوزيع المخاطر.
المحور الثاني هو “السيناريو المجري”، فبما أن قرار تجميد الأموال يجب تجديده كل ستة أشهر بالإجماع، فإن وجود المجر بقيادة أوربان، المقرب من موسكو، يخلق احتمالاً واقعياً بأن ترفض بودابست التجديد في أي لحظة، ما سيؤدي تلقائياً إلى تحرير الأموال الروسية. لذلك تطالب بلجيكا وآخرون من المفوضية بابتكار آلية تمنع هذا الخطر قبل المضي في الخطة.
ورغم أن 185 مليار يورو مجمّدة داخل بلجيكا، فإن هناك 25 مليار يورو أخرى داخل بنوك الاتحاد الأوروبي، خصوصاً فرنسا ولوكسمبورغ، كما أن هناك أموالاً روسية أخرى محتجزة في دول خارج الاتحاد مثل الولايات المتحدة وكندا واليابان وبريطانيا وجميعها ضمن مجموعة السبع.
وترى بلجيكا أنه يجب على هذه الدول المشارَكة في الخطة وتقاسم الأعباء.
والخطة الأمريكية كما ظهرت نسختها الأولية، تتضمن استثمار 100 مليار دولار من الأموال الروسية المجمّدة في خطة تقودها الولايات المتحدة لإعادة إعمار أوكرانيا، وحصول الولايات المتحدة على 50% من الأرباح، وإلزام أوروبا بمطابقة الـ100 مليار دولار بمساهمة موازية، واستثمار بقية الأموال في آلية أمريكية – روسية مشتركة، وهو ما أثار غضب الأوروبيين، ودفعهم إلى تسريع خطتهم.
وقال مسؤولون أوروبيون مطلعون على المفاوضات إن جميع المخاوف قابلة للمعالجة، وإن الأمر في النهاية “مرتبط بالإرادة السياسية”.
ما بعد تحرك الاتحاد الأوروبي
يشير الإجراء الأوروبي إلى تكريس سابقة دولية بالغة الخطورة، فاستخدام أصول دولة ذات سيادة دون موافقتها يمثل سابقة قانونية قد تُستخدم لاحقاً ضد أي دولة.
وذلك قد يفتح باباً لمراجعات قانونية طويلة أمام المحاكم الدولية، وتوترات سياسية مع روسيا ودول أخرى غير غربية، واحتمال رد روسي قوي، فموسكو تعتبر هذا الإجراء “قرصنة مالية” حسب تناولات بقش، وقد ترد بمصادرة أصول أوروبية داخل روسيا، وقيود على الشركات الغربية، وتصعيد دبلوماسي وربما اقتصادي، وتعزيز قدرة أوكرانيا على الصمود.
وفي المقابل، سيمنح الإجراء تمويلاً كبيراً لاحتياجات الدفاع الأوكراني، بغرض تقليل اعتماد كييف على المعونات الأمريكية والأوروبية المباشرة.
وقد تتعمق الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي، فالخلاف البلجيكي والمخاوف من الموقف المجري يكشفان هشاشة الإجماع داخل الاتحاد، وخطر أن يتحول الملف إلى ورقة ابتزاز سياسي داخلية.
هذا وقد تشهد أسواق المال اضطرابات مستقبلية كبيرة، فالتدخل في الأصول السيادية يقلق المستثمرين الدوليين، والدول التي تحتفظ بالأموال في الخارج، والبنوك المركزية التي قد تعيد النظر في الاحتفاظ باحتياطياتها في الغرب.
في المجمل، يمثل تحرك الاتحاد الأوروبي لاستخدام 140 مليار يورو من الأصول الروسية المجمّدة تطوراً استثنائياً في تاريخ المواجهة بين الغرب وروسيا منذ 2022، ورغم التعقيدات القانونية والسياسية، تبدو بروكسل عازمة على إنهاء الخطة قبل نهاية هذا العام.
لكن مع ذلك، فإن المخاطر من الرد الروسي إلى الخلافات الأوروبية الداخلية، تجعل هذا الملف واحداً من أكثر الملفات حساسية في الصراع الدولي الجاري.


