
منوعات | بقش
لم يكن صعود الهند إلى المرتبة الرابعة عالمياً من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي نتاج تحول نوعي في بنية الاقتصاد، بقدر ما كان نتيجة طبيعية لتضخم الحجم السكاني واتساع النشاط الكمي. فالتقدم في الترتيب العالمي يعكس توسعاً حسابياً في الناتج، لا بالضرورة تحسناً في الإنتاجية أو جودة النمو، ما يضع هذا “الإنجاز” في خانة التفوق الرقمي أكثر من كونه دليلاً على قوة اقتصادية صلبة.
وبناتج محلي يُقدَّر بنحو 4.18 تريليونات دولار، تجاوزت الهند اليابان لتصبح رابع أكبر اقتصاد في العالم، حسب تقديرات حكومية تتبَّعها مرصد “بقش”، مع آمال رسمية بتخطي ألمانيا خلال ثلاث سنوات. غير أن هذه القفزة لا تعكس انتقالاً اقتصادياً متماسكاً، بل تكشف فجوة متسعة بين حجم الاقتصاد وقدرته على توليد رفاه فعلي أو استقرار معيشي واسع.
المفارقة أن هذا الصعود يأتي في وقت تتزايد فيه الضغوط الهيكلية على الاقتصاد الهندي، من بطالة شبابية مرتفعة، وتفاوت حاد في الدخل، وتباطؤ في نمو الاستهلاك الحقيقي. فالأرقام الكبيرة تخفي اقتصاداً لا يزال هشاً في قاعدته الاجتماعية، ويعتمد على الكثافة السكانية أكثر من اعتماده على القيمة المضافة.
وعليه، فإن مقارنة الهند باليابان أو ألمانيا من زاوية الحجم فقط تُعد قراءة مضللة، إذ إن الاقتصاد لا يُقاس فقط بما ينتجه، بل بما يوزعه، وبقدرته على خلق فرص مستدامة وتحقيق استقرار طويل الأجل.
ناتج ضخم… وفرد فقير
رغم تقدمها في الترتيب العالمي، لا يزال نصيب الفرد من الناتج المحلي في الهند عند مستويات متدنية، إذ لم يتجاوز 2694 دولاراً سنوياً في 2024، أي أقل بنحو 12 مرة من اليابان، وأقل بنحو 20 مرة من ألمانيا وفق اطلاع بقش. هذا التفاوت الحاد يوضح أن النمو الهندي لا يترجم إلى تحسن معيشي واسع، بل يتركز في قطاعات ومناطق محددة.
ويعكس هذا الخلل طبيعة النمو القائم على الخدمات منخفضة الأجر والعمالة الكثيفة، مقابل ضعف التصنيع المتقدم وتباطؤ الاستثمار في رأس المال البشري. فاقتصاد بحجم الهند لا يزال عاجزاً عن رفع متوسط الدخل، ما يضع علامات استفهام حول جودة هذا النمو واستدامته.
كما أن اتساع القاعدة السكانية، الذي يُروَّج له كميزة استراتيجية، يتحول عملياً إلى عبء اقتصادي في ظل عجز السوق عن استيعاب ملايين الداخلين الجدد سنوياً. فالشباب الذين يشكلون أكثر من ربع السكان لا يجدون فرصاً كافية، ما يهدد بتحويل “العائد الديموغرافي” إلى عامل ضغط اجتماعي.
وهكذا، فإن الناتج الكبير لا يعكس اقتصاداً قوياً بقدر ما يعكس اقتصاداً واسعاً، وهو فارق جوهري تتجاهله المقارنات السطحية.
نمو تحت الضغط الخارجي
يأتي هذا الصعود الرقمي للهند في سياق دولي معقّد، حيث تواجه نيودلهي ضغوطاً تجارية متزايدة، أبرزها الرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة على المنتجات “المصنوعة في الهند”، على خلفية علاقاتها النفطية مع روسيا. هذه الإجراءات تضرب قطاعات تصديرية حساسة، وتحد من قدرة الهند على تحويل النمو إلى قوة تجارية مستقرة.
كما أن تراجع قيمة الروبية بنحو 5% خلال 2025 يعكس هشاشة الميزان الخارجي، ويزيد كلفة الواردات، ما يضغط على التضخم ويقلص القوة الشرائية. وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد في الطاقة والتكنولوجيا، تصبح هذه التقلبات عامل تهديد مباشر للاستقرار.
ورغم محاولات الحكومة تقديم هذا النمو كدليل على “القدرة على الصمود”، فإن الواقع يشير إلى اقتصاد يتقدم عدديّاً لكنه يفتقر إلى مظلة حماية قوية أمام الصدمات الخارجية، سواء كانت تجارية أو مالية.
إصلاحات متأخرة ونمو غير متوازن
أجبرت مؤشرات التباطؤ الحكومة الهندية على الإعلان عن إصلاحات ضريبية وتعديلات في قوانين العمل، في محاولة لاحتواء التراجع في الزخم الاقتصادي. غير أن هذه الإجراءات جاءت متأخرة، وبعد أن بلغ النمو أدنى مستوياته منذ أربع سنوات، ما يقلل من أثرها الفوري.
كما أن النمو الحالي غير متوازن حسب قراءة بقش، إذ تستفيد منه قطاعات محددة، بينما تبقى مساحات واسعة من الاقتصاد خارج دائرة التحسن. ويزيد هذا الاختلال من التفاوت الاجتماعي ويحد من قدرة الاقتصاد على التحول إلى قوة شاملة.
ولا يمكن تجاهل أن الاقتصاد الهندي، رغم حجمه، لا يزال يعاني ضعفاً في البنية الصناعية الثقيلة، وتباطؤاً في الابتكار عالي القيمة، ما يجعله أكثر عرضة للتقلبات العالمية وأقل قدرة على فرض نفسه كلاعب اقتصادي متكامل.
صعود الهند إلى المرتبة الرابعة عالمياً هو حدث رقمي لافت، لكنه لا يعكس انتقالاً نوعياً في القوة الاقتصادية. فالحجم وحده لا يصنع اقتصاداً قوياً، والناتج الكبير لا يعني تلقائياً رفاه السكان أو متانة البنية الإنتاجية.
في جوهره، يكشف هذا التقدم عن مفارقة واضحة: اقتصاد يتضخم بسرعة، لكنه لا يزال عاجزاً عن تحويل هذا التضخم إلى استقرار معيشي أو نفوذ اقتصادي متماسك. وإذا لم تُعالَج اختلالات الدخل والإنتاجية والبطالة، فإن هذا الصعود سيبقى إنجازاً إحصائياً أكثر منه تحولاً تاريخياً.


