“موديز”: الاقتصاد السعودي يمضي بقوة… والزخم غير النفطي يتحول إلى محرك النمو الرئيسي

الاقتصاد العربي | بقش
مع اقتراب عام 2026، تشير أحدث مراجعة لوكالة “موديز” إلى أن الاقتصاد السعودي يدخل مرحلة جديدة من التحول؛ مرحلة لا يتصدر فيها النفط المشهد كما اعتاد، بل تتقدم فيها الأنشطة غير النفطية لتقود النمو، مستندة إلى استثمارات ضخمة وبرامج تنويع غير مسبوقة.
وترى الوكالة وفق اطلاع بقش أن الصورة المالية العامة للمملكة ما تزال مستقرة، وأن تصنيف “Aa3” يعكس قوة القاعدة الاقتصادية وحجمها الكبير، مدعوماً باستمرار إصلاحات ما بعد 2016.
لكن وراء هذه المؤشرات الإيجابية، يبرز سؤال أكبر: هل يستطيع الاقتصاد السعودي الحفاظ على هذا الزخم فيما تتحرك أسعار النفط بلا يقين، ويتسارع التحول العالمي بعيداً عن الكربون؟
تقديرات “موديز”، التي تتبَّعها مرصد بقش، تُظهر ثقة واسعة بقدرة المملكة على إدارة متغيرات السوق، لكنها في الوقت نفسه تضع خطوطاً حمراء حول مخاطر هيكلية طويلة المدى قد تتطلب استعدادات أكبر.
زخم غير نفطي يغيّر شكل النمو
تقول “موديز” إن الأنشطة غير النفطية باتت اليوم مركز الثقل الاقتصادي في السعودية. فالمشاريع الكبرى، والقطاع العقاري، والسياحة، والخدمات، والبنية التحتية، جميعها ترفع معدل النمو الحقيقي إلى نحو 4% هذا العام، مع توقعات بوصوله إلى 4.5% في 2026.
هذا المسار يتقاطع مع توقعات حكومة المملكة التي رفعت تقديرات النمو للعام المقبل إلى 4.6%، اعتماداً على السوق الاستهلاكية الضخمة ومستوى البطالة الذي انخفض إلى أدنى مستوياته التاريخية.
وتشير وكالة “إس آند بي” إلى أن مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي أصبحت في حدود 56%، متفوقة على القطاعات النفطية والحكومية مجتمعة، وهو تحول جوهري في بنية اقتصادٍ كان لعقود رهينة عوائد الخام.
ورغم أن أسعار النفط لم تعد داعمة للإنفاق بنفس الزخم السابق، إلا أن المملكة تمضي في توسيع الاستثمارات الخاصة والعامة، ما يعطي الاقتصاد حصانة من التقلبات قصيرة الأجل.
استثمارات أجنبية تغيّر قواعد اللعبة
تتفق وكالتا “موديز” و“إس آند بي” على أن برامج التنويع الحكومية أحدثت نقلة سريعة في تدفق الاستثمارات.
فبحسب تصريحات وزير الاستثمار خالد الفالح، فإن 90% من الاستثمارات الأجنبية التي دخلت المملكة مؤخراً وُجّهت لقطاعات غير نفطية من الصناعة إلى التكنولوجيا إلى السياحة.
وعلى عكس ما تشهده الأسواق العالمية من تراجع في الاستثمار الأجنبي بنسبة 10%، تضاعفت التدفقات الوافدة إلى السعودية أربع مرات، متجاوزة أهداف رؤية 2030.
هذه القفزة ليست مالية فقط، بل إستراتيجية، إذ تسعى المملكة لبناء اقتصاد أقل عرضة لصدمات النفط وأكثر ارتباطاً بالابتكار والسلاسل الصناعية الجديدة.
ومع ذلك، تقول “موديز” إن الاعتماد على الهيدروكربونات سيستغرق سنوات طويلة قبل أن يتراجع بشكل فعلي، وإن وتيرة التنويع الحالية، رغم سرعتها، لا تزال بحاجة إلى اختبارات إضافية في مواجهة التحول العالمي نحو خفض الانبعاثات.
وترى “موديز” أن الحكومة السعودية نجحت في تبني سياسة مالية “مضادة للدورات الاقتصادية”، أي أنها تحد من تأثير تقلبات الأسواق عبر إدارة منضبطة للإنفاق. وهذه السياسة منحت الاقتصاد مرونة واضحة، خصوصاً مع انخفاض أعباء الدين الحكومي وقدرة المالية العامة على تحمل صدمات مفاجئة.
ووفق تقييم الوكالة، فإن قوة المؤسسات الحكومية وصلت إلى درجة “A3”، مدفوعة بالتقدم الكبير في الإصلاحات منذ 2016، وتبني سياسات اقتصادية واضحة وشفافة.
وحسب قراءة بقش تؤكد الوكالة أيضاً أن الأصول المالية القوية والحجم الكبير للاقتصاد السعودي يمنحان المملكة قدرة تنافسية عالمية، خصوصاً مع تكلفة إنتاج النفط المنخفضة التي تظل ميزة إستراتيجية لا تزال تضع المملكة في مركز مهم داخل سوق الطاقة.
النفط يعود للنمو… لكن المخاطر طويلة الأجل باقية
تشير “موديز” إلى أن النفط سيعود لقيادة جزء من النمو خلال العامين المقبلين مع رفع تحالف “أوبك+” للإنتاج. لكن الوكالة تحذر من أن اعتماد السعودية، ولو بنسبة أقل، على النفط يجعل الاقتصاد معرضاً لتأثير أي دورة سعرية هابطة.
هذا التحذير ليس تقليلاً من قوة الاقتصاد، بل إشارة إلى أن التحول العالمي نحو طاقة منخفضة الكربون يفرض ضغوطاً تراكمية طويلة الأجل على الدول المنتجة للنفط، مهما كانت قوتها المالية الحالية.
وتقول الوكالة إن استمرار التقدم في تنفيذ المشاريع العملاقة قد يقلل تدريجياً من هذه المخاطر، بشرط نجاح القطاع الخاص في لعب دور أكبر، وخلق مصادر دخل بديلة توازي اعتماد المملكة التاريخي على النفط.
يؤكد تقرير “موديز” أن السعودية تسير على مسار اقتصادي نشط، محكوم بإصلاحات واضحة وقطاع غير نفطي آخذ في التوسع بقوة. لكن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرة المملكة على الحفاظ على هذا الزخم في عالم يتغير بسرعة، وأسواق طاقة تتجه نحو المستقبل بخطوات غير قابلة للتراجع.
ومع أن التصنيف “Aa3” يعكس ثقة كبيرة بصلابة الاقتصاد السعودي، إلا أن الطريق نحو اقتصاد غير نفطي بالكامل ما يزال طويلاً، ويتطلب تعميق مشاركة القطاع الخاص، وجذب المزيد من الاستثمارات النوعية، وتقليل حساسية المالية العامة تجاه تقلبات أسعار الخام.
وبحسب قراءة بقش، فإن السعودية أصبحت اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى بناء اقتصاد متعدد المحركات، لكن نجاح هذه المرحلة يتوقف على الاستمرار في التحول، لا الاكتفاء بزخم السنوات الأخيرة.


