الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

ترامب يهمّش المعارضة ويستغل نفط فنزويلا.. ما تفاصيل الصفقة الأمريكية؟

الاقتصاد العالمي | بقش

بعد الهجوم الأمريكي الصارخ على فنزويلا واعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته، استبعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العمل مع “ماريا كورينا ماتشادو”، الفائزة بجائزة نوبل للسلام، في أي ترتيبات تخص المرحلة الانتقالية في فنزويلا، وشكّل القرار انتكاسة سياسية لزعيمة معارضة لطالما اعتُبرت واجهة النضال الديمقراطي ضد نظام نيكولاس مادورو.

وبدلاً من الرهان على المعارضة التقليدية، أعلن أن واشنطن تفضّل العمل مع نائبة الرئيس الفنزويلي “ديلسي رودريغيز”، صاحبة الترتيب الثاني في هرم السلطة حسب اطلاع “بقش” على تقرير لبلومبيرغ.

وأربك هذا التحول صفوف المعارضة، فماتشادو التي كانت حتى وقت قريب تعيش مختبئة داخل فنزويلا قبل مغادرتها لتسلّم جائزة نوبل الشهر الماضي، أصرّت طويلاً على البقاء في البلاد ورفض المنفى، وواصلت الضغط على المجتمع الدولي لإدانة نظام مادورو متهمةً إياها بانتهاك حقوق الإنسان والتلاعب بالانتخابات، وكانت تؤكد أن مجموعتها جاهزة لتولي الحكم فور خروج مادورو من السلطة.

معارضة متأهبة لكن خارج الحسابات

قبل تصريحات ترامب، أعادت ماتشادو التأكيد على أن المعارضة مستعدة لتنفيذ ما تصفه بـ”تفويض انتخابات 2024″.

خطة المعارضة، التي جرى إعدادها على مدى شهور، تضمنت سيناريوهات دقيقة للساعات والأيام الأولى بعد رحيل مادورو، مثل احتفال رمزي قصير، وتحركات سريعة للسيطرة على مؤسسات الدولة، ومسار مدروس لكسب دعم غالبية ضباط الجيش.

كما شددت ماتشادو على ضرورة أن يتولى الدبلوماسي السابق إدموندو غونزاليس (مقيم في إسبانيا) السلطة فوراً، وأن يُعترف به قائداً أعلى للقوات المسلحة، مع خطوات عاجلة تشمل استعادة النظام، إطلاق سراح السجناء السياسيين، والبدء في التعافي الاقتصادي.

لكن حسابات واشنطن بدت مختلفة، فوفق بلومبيرغ يرى بعض مستشاري الرئيس أن الانتقال عبر ديلسي رودريغيز قد يوفر مخرجاً تدريجياً أقل اضطراباً من تفكيك النظام دفعة واحدة.

ويستند هذا الرأي إلى مخاوف من أن وصول المعارضة الديمقراطية للحكم قد يستلزم حماية عسكرية أمريكية في مواجهة تهديدات داخلية، سواء من بقايا النظام أو من الجماعات شبه العسكرية وعصابات المخدرات التي تسيطر على مساحات واسعة من البلاد، خصوصاً في مناطق الغابات والحدود.

ورغم أن رودريغيز سارعت إلى إعلان أن مادورو لا يزال الرئيس الوحيد لفنزويلا وأن البلاد مستعدة للدفاع عن سيادتها، أوضح ترامب أن خطته تقوم على العمل مع أعضاء من النظام الحالي، لا على تنصيب قيادة من خارج المنظومة.

وكما لخّص رايان بيرغ، مدير برنامج الأمريكتين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، فإن فنزويلا قد تكون مقبلة على فترة انتقال طويلة الأمد، يتنازع خلالها أكثر من طرف على السلطة قبل التوصل إلى تسويات للخروج منها.

وبرأيه، قد يجد بعض المسؤولين الحاليين، ومن بينهم رودريغيز، أن التفاوض بشروط أفضل مع الولايات المتحدة أقل كلفة من مصير شبيه بمصير مادورو.

النفط في قلب المعادلة

بالتوازي مع هذا التحول السياسي، كشفت إدارة ترامب عن رهانها الأكبر، وهو النفط الفنزويلي. خلال مؤتمر صحفي في منتجعه “مار-إيه-لاغو” بولاية فلوريدا، أعلن ترامب أن شركات النفط الأمريكية تعتزم إنفاق مليارات الدولارات لإعادة تأهيل البنية التحتية المتداعية لقطاع الطاقة في فنزويلا.

حسب قراءة بقش، وُصفت خطة ترامب بالطموحة، إذ قال إن الولايات المتحدة ستُدخل شركاتها النفطية الكبرى لإصلاح البنية التحتية النفطية المتهالكة بشدة، والبدء في تحقيق أرباح لفنزويلا نفسها، مع تعويض هذه الشركات لاحقاً.

لكنه، في المقابل، ترك أسئلة جوهرية بلا إجابات، واكتفى بالقول إن حكومته ستساعد في حماية البنية التحتية النفطية وتحسين أوضاعها.

لا تزال الشكوك كبيرة حول استعداد عمالقة مثل إكسون موبيل، شيفرون، وكونوكو فيليبس لضخ استثمارات ضخمة في بلد تديره حكومة مؤقتة مدعومة أمريكياً، من دون إطار قانوني ومالي مستقر.

مخاطر العودة

تاريخ شركات النفط مع فنزويلا مثقل بالتجارب القاسية حسب اطلاع بقش على بلومبيرغ، فـ”إكسون” و”كونوكو فيليبس” تمتلكان خبرة طويلة في البلاد، لكنهما غادرتا بعد تأميم أصولهما على يد هوغو تشافيز، سلف مادورو، في منتصف العقد الأول من الألفية.

“إكسون” سبق أن قالت إنها قد تدرس العودة إذا توفرت الظروف المناسبة. وفي نوفمبر الماضي، صرّح رئيسها التنفيذي دارين وودز قائلاً: “علينا أن نرى مدى الجدوى الاقتصادية. لا يمكنني تأكيد أو استبعاد الاستثمار هناك في الوقت الحالي”.

ويرى محللون أن تحسن الجدوى الاقتصادية وارتفاع أسعار النفط في السنوات المقبلة قد يغريان شركات مترددة بإعادة النظر في السوق الفنزويلية، إذا ظهرت مؤشرات على الاستقرار وعُرضت امتيازات مغرية، فالثروات الجوفية الهائلة جعلت فنزويلا، على مدار قرن، محط أنظار كل شركات النفط الكبرى تقريباً، لكن موجتي التأميم تركتا أثراً سلبياً عميقاً لدى شركات مثل شل وإكسون موبيل وكونوكو فيليبس، ولا تزال الأخيرتان تطالبان بتعويضات بمليارات الدولارات.

فرانسيسكو مونالدي، مدير شؤون سياسة الطاقة في أمريكا اللاتينية بجامعة رايس في هيوستن، أشار وفقاً لبلومبيرغ إلى أن كونوكو فيليبس لديها حافز كبير للعودة لتحصيل مستحقات تتجاوز 10 مليارات دولار، لكنه استبعد بشدة دخول الشركات الغربية الكبرى في محادثات جادة قبل تبلور استقرار سياسي وإطار قانوني واضح.

شيفرون.. الاستثناء الوحيد

وسط هذا التردد، تبرز شيفرون كحالة استثنائية، فالشركة تضخ حالياً نحو 140 ألف برميل يومياً من فنزويلا حسب بيانات جمعها بقش، وتشحنه إلى مصافي ساحل الخليج الأمريكي بموجب ترخيص خاص.

وقد نجحت في التفاوض على اتفاقات للبقاء خلال عهد تشافيز، واستمرت في العمل بإذن أمريكي في ظل إدارات جمهورية وديمقراطية على السواء.

وفي بيان اطلع عليه بقش يوم السبت، أكدت الشركة التزامها الكامل بجميع القوانين واللوائح، مع تركيزها على سلامة موظفيها وأصولها، لكن استراتيجيتها حتى الآن تركز على استرداد المستحقات أكثر من ضخ استثمارات جديدة لزيادة الإنتاج.

تدفقات غير مؤكدة وحصار مستمر

غيّرت عدة سفن مسارها بعيداً عن فنزويلا بعد أن فرضت الولايات المتحدة حصاراً في منتصف ديسمبر لمصادرة السفن التي تنقل نفطاً قال ترامب إنه يُستخدم في تمويل نظام مادورو.

ترامب قال إن الحصار النفطي على السفن لا يزال قائماً، لكنه في الوقت نفسه يريد إدارة مدعومة من واشنطن لإحياء الصناعة النفطية.

وتحدث ترامب عن بيع “كميات كبيرة” من النفط للمشترين الحاليين وعملاء جدد، دون تفاصيل إضافية، مشيراً إلى أن الإيرادات قد تُستخدم لتعويض الحكومة الأمريكية عن إنفاقها، وتعويض الشركات التي صودرت أصولها، مع وعد بأن الفنزويليين في الداخل والخارج “سيتم الاعتناء بهم”.

بدورها أدانت الصين، وهي أكبر مشترٍ للنفط الفنزويلي وأكبر دائني البلاد، الضربات العسكرية الأمريكية، ورغم أنها رسمياً لم تستورد الخام الفنزويلي منذ مارس، فإن بيانات تتبع السفن تشير إلى أن التدفقات نحو الدولة الآسيوية ظلت قوية خلال العام الماضي.

وفي الوقت الحالي تنتج فنزويلا نحو 800 ألف برميل يومياً، أي أقل من 1% من الإنتاج العالمي، وفق بيانات من شركة “كبلر”، ويمكن للإنتاج أن يرتفع بنحو 150 ألف برميل يومياً خلال بضعة أشهر إذا رُفعت العقوبات، لكن العودة إلى مستوى مليوني برميل يومياً أو أكثر تتطلب إصلاحات هائلة واستثمارات ضخمة.

إحياء صناعة النفط في فنزويلا تُعد مهمة بنيوية شاقة، فالبنية التحتية تعاني الإهمال منذ عقود بفعل سوء الإدارة والفساد ونقص الاستثمارات، ما يعني أن فنزويلا تقف عند تقاطع حاد بين انتقال سياسي غير محسوم ورهان نفطي ضخم مبني على السطوة الأمريكية.

زر الذهاب إلى الأعلى