تفكيك نفوذ “جوجل” الإعلاني.. الحكومة الأمريكية تستهدف الشركة المهيمنة على الإنترنت

تقارير | بقش
كثّفت الحكومة الأمريكية ضغوطها القضائية على شركة جوجل، إذ طلبت وزارة العدل -إلى جانب عدد من الولايات الأمريكية- من قاضٍ فدرالي إصدار أمر يقضي بتفكيك أنشطة غوغل في مجال الإعلانات عبر الإنترنت، معتبرةً أن الخطوات التي وعدت بها الشركة لضبط نفوذها ليست موضع ثقة ولا تكفي لخلق منافسة عادلة.
جاء طلب الحكومة، أمس الجمعة، في ختام مرافعاتها في الدعوى المتعلقة بأدوات الإعلان الرقمي التي طورتها جوجل، والتي يستخدمها ناشرو المواقع لبيع مساحاتهم الإعلانية.
وتتهم وزارة العدل الشركة بأنها احتكرت سوق الإعلانات الرقمية عبر ممارسات غير قانونية تطورت واستمرت على مدى عشر سنوات كاملة، ما منحها سيطرة مركّزة على حلقات أساسية من سلسلة الإعلان الرقمي، تشمل المنصات التي تبيع فيها المواقع الإلكترونية مساحاتها الإعلانية وفق اطلاع مرصد “بقش”.
هذا التشابك، وفق الحكومة، مكّن جوجل من التحكم بالعرض والطلب الإعلاني في آن واحد، بما يشبه “اليد الخفية” التي تدير السوق بما يخدم مصالحها التجارية. وتوقّعت مصادر قانونية صدور قرار القاضي خلال الأشهر المقبلة.
غايل سلايتر، مساعدة المدعي العام والمسؤولة عن القضية، قالت في منشور على منصة “إكس” إن “معالجة المشكلة تتطلب تفكيك احتكار غوغل لإفساح المجال أمام بروز منافسين جدد”. وتعتبر الحكومة أن أي حلول تنظيمية أو تعهّدات ذاتية من الشركة غير كافية، وأن المطلوب هو إعادة تشكيل البنية السوقية نفسها.
جوجل ترد: إساءة استخدام للسلطة وفصل الأنشطة “غير ممكن”
بدورها رفضت غوغل الاتهامات، معتبرةً أن تفكيك وحداتها الإعلانية يمثّل تجاوزاً حكومياً خطيراً قد يزعزع استقرار سوق الإعلانات الرقمية بأكمله.
وترى الشركة أن أدواتها الإعلانية تحقق الكفاءة التشغيلية، وخفض تكاليف الإعلان، والابتكار المستمر. كما تعتقد أن الفصل التقني بين وحداتها المختلفة مستحيل عملياً لأنها كلها مبنية على بنية واحدة مترابطة.
وهذه الدعوى هي الثانية لمكافحة الاحتكار التي تواجهها غوغل خلال هذا العام. فحسب مراجعة بقش، رفض قاضٍ في سبتمبر الماضي دعوى مشابهة من وزارة العدل كانت تسعى إلى فصل محرك البحث عن باقي النشاطات التجارية للمجموعة.
وتأتي هذه الخطوات ضمن حملة واسعة من الحكومة الأمريكية لإعادة المنافسة إلى الاقتصاد الرقمي، لكن هذه الجهود لم تحقق نجاحاً كبيراً حتى الآن، رغم الزخم السياسي المتزايد بشأن الحد من هيمنة عمالقة التكنولوجيا.
الإعلانات.. مصدر قوة جوجل
يُعد محرك البحث جوجل العمود الفقري للإيرادات التي تحققها مجموعة ألفابت “الشركة الأم”، ويولّد الجزء الأكبر من العوائد الإعلانية. وقد سجّلت ألفابت ارتفاعاً في إيرادات الربع الثالث من العام لتصل إلى أكثر من 102 مليار دولار وفق اطلاع بقش، بينها نحو 35 مليار دولار صافي دخل خلال الربع نفسه، مما يعكس الوزن المالي الهائل لنشاط غوغل الإعلاني.
ولا تقف محاولة الحكومة الأمريكية الحد من هيمنة جوجل عند حدود المنافسة القانونية، بل تحمل تداعيات اقتصادية عميقة على قطاع الإعلانات الرقمية العالمي الذي تبلغ قيمته أكثر من 600 مليار دولار سنوياً حسب بيانات جمعها بقش.
وسيؤدي استهداف إدارة ترامب للشركة إلى إعادة توزيع القوة السوقية، ما يعني مكاسب مباشرة للمنافسين، وتعزيز وجود شركات مثل Meta وAmazon Ads وMicrosoft، وتمكين منصات أصغر مزودة لأدوات بيع وشراء الإعلانات، وفتح الباب أمام لاعبين جدد يمكنهم دخول السوق دون مواجهة حواجز هيمنة جوجل.
ومع التركُّز المحتمل للسوق، من المرجح أن تتوزع القوة على عدد أكبر من الشركات، وهو ما يراه الاقتصاديون خطوة قد ترفع مستوى الكفاءة وتقلل المخاطر الاحتكارية.
وتَعتبر وزارة العدل أن سيطرة غوغل على سلسلة القيمة الإعلانية سمحت لها بتحديد عمولات مرتفعة على الإعلانات. وفي حال تفكيكها، قد نشهد مزيداً من المنافسة التي تضغط نحو انخفاض هوامش الربح، وانخفاض تكاليف الإعلان عبر الإنترنت بالنسبة للمعلنين، وتحسّن مداخيل الناشرين الذين يتهمون جوجل بأخذ “حصة الأسد” من كل دولار يُصرف إعلانياً.
لكن من جهة أخرى، يرى اقتصاديون أن أي تغيّر مفاجئ في هيكل السوق قد يخلق فترة اضطراب سعري تزيد تكاليف التكيف بالنسبة للشركات.
ويُشار إلى أن جوجل تقود تطوير الأدوات الإعلانية عبر التحليل السلوكي، وخوارزميات المزاد الفوري، وأدوات قياس الأداء. وقد يؤدي تفكيكها إلى تباطؤ مؤقت في وتيرة الابتكار، وظهور أنظمة جديدة من منافسين قد تخلق تنوعاً في التكنولوجيا الإعلانية، وفقدان ميزة “تكامل الخدمات” التي تعتبرها غوغل أحد أهم عناصر الكفاءة.
واقتصادياً، هذا التحول قد يرفع درجة التنافس الابتكاري لكنه قد يضعف الانسجام التقني بين مكونات السوق.
وسيؤثر تفكيك نشاط الإعلانات -الذي يشكل العمود الفقري لأرباح شركة ألفابت- على تقييم الشركة السوقي، ما سيضطرها إلى الاعتماد على مصادر دخل غير إعلانية لتعويض الخسائر المحتملة.
ويترقب المستثمرون القرار، الذي سيؤثر في سعر سهم ألفابت ويخلق موجة تقلبات واسعة في شركات التكنولوجيا الكبرى. وحسب بيانات تتبَّعها بقش، تبلغ القيمة السوقية حالياً لشركة “ألفابت” 3.62 تريليونات دولار، حيث ارتفع سهمها بنحو 2% يوم أمس الجمعة متجاوزةً بذلك مايكروسوفت، وذلك في أعقاب نتائج إعلانية أقوى وطلب مطرد على السحابة.
آثار خارج أمريكا
تقليص نفوذ جوجل له أثر خارج الولايات المتحدة، إذ تعتمد آلاف الشركات في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط على بنيتها الإعلانية. وتفكيك الأنشطة يغيّر قواعد اللعبة بالنسبة لوكالات الإعلان العالمية، ويعيد صياغة سلاسل القيمة للإعلانات، ويزيد الحاجة إلى تكاملات تقنية جديدة بين المعلنين والناشرين.
ويشبه هذا التغير إعادة هيكلة كبرى في قطاع تكنولوجي أساسي يرتبط بكل الصناعات الأخرى تقريباً.
وبالنتيجة، سينجم عن التفكيك بشكل عام زيادة المنافسة، وخفض التكاليف، وتنويع التكنولوجيا الإعلانية، وتقليص أرباح غوغل وربما إضعاف قدرتها الاستثمارية. لكن في حال رُفض طلب الحكومة فسيستمر الوضع الاحتكاري شبه القائم، وستبقى جوجل لاعباً مهيمناً على قطاع الإعلانات، إلا أن الفترة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل واحد من أهم قطاعات الاقتصاد الرقمي في العالم.


