توتر دبلوماسي غير مسبوق بين واشنطن وجنوب أفريقيا.. كيف أصبحت قمة العشرين مهددة؟

الاقتصاد العالمي | بقش
تشهد العلاقات الأمريكية الجنوب أفريقية واحدة من أكثر لحظاتها توتراً منذ انتهاء حقبة الفصل العنصري عام 1994، إذ تتصاعد حالياً الخلافات بين واشنطن وبريتوريا قبل أيام قليلة من انعقاد قمة مجموعة العشرين في مدينة “جوهانسبرغ”، وسط مقاطعة رسمية من إدارة ترامب واتهامات أمريكية علنية غير مسبوقة، تهدد ليس فقط مخرجات القمة، بل أيضاً آليات العمل الجماعي داخل المجموعة في مرحلة شديدة الحساسية من الاقتصاد العالمي.
تأتي هذه التطورات بينما تستعد القارة الأفريقية لأول مرة لاستضافة أعمال مجموعة العشرين، في محطةٍ أرادتها جنوب أفريقيا لتأكيد دور الجنوب العالمي في صناعة القرار الاقتصادي الدولي، لكنها اصطدمت منذ البداية برفض أمريكي لم يتوقف عند حدود الاعتراض السياسي، بل امتد إلى تهديدات مباشرة بعرقلة أي وثيقة ختامية قد تصدر عن القمة.
تحذير أميركي مباشر.. وتهديد بعرقلة أي مخرجات
وفقاً لوثيقة رسمية اطّلعت عليها “بلومبيرغ”، حذرت الولايات المتحدة جنوب أفريقيا من الضغط لإصدار بيان مشترك باسم المجموعة، مؤكدة وفق اطلاع بقش أنها لن تشارك في المفاوضات التحضيرية، ولن تحضر اجتماع القادة الأسبوع المقبل، وستعرقل أي مخرجات تُقدَّم بوصفها توافقاً للمجموعة، لأن أولويات جنوب أفريقيا -بحسب واشنطن- “تتعارض مع وجهات النظر السياسية الأمريكية.
تضمنت المذكرة الأميركية، التي سُلّمت في 15 نوفمبر، صياغة شديدة الوضوح: “الولايات المتحدة الأمريكية تعارض إصدار أي وثيقة ختامية لقمة مجموعة العشرين تُقدّم على أنها موقف توافقي للمجموعة من دون موافقتها (أمريكا)، وإذا جرى إصدار أي مخرجات تحت رئاستكم، فستُقدّم حصراً باعتبارها بياناً للرئيس لتجسيد غياب التوافق”.
هذا التصعيد الدبلوماسي أثار قلقاً واسعاً بين الدول الأعضاء، خاصة أن المبدأ التقليدي لعمل مجموعة العشرين يقوم على الإجماع، ويُنظر لأي انقسام داخلي باعتباره مؤشراً خطيراً على تراجع قدرة المجموعة على إدارة ملفات الاقتصاد العالمي.
جذور الخلاف: اجتماع المكتب البيضاوي وما تلاه
تعود الشرارة الأساسية لهذا التوتر إلى اجتماع جمع الرئيس ترامب بالرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا في المكتب البيضاوي في مايو 2025 وفق متابعات بقش، حيث تعرّض الأخير لتوبيخ علني أمام الكاميرات. تصاعد الخلاف مباشرة بعد ذلك حين أعلن ترامب أنه لن يحضر القمة، قبل أن تتحول المقاطعة إلى موقف سياسي كامل.
تتهم إدارة ترامب جنوب أفريقيا باتباع أجندة تتعارض مع السياسة الأمريكية، خصوصاً في ما يتعلق بمفاهيم التضامن والمساواة والاستدامة التي يطرحها رامافوزا، إضافة إلى نظرته نحو نظام عالمي أكثر شمولاً يفتح مساحة أكبر للجنوب العالمي.
كما وجه ترامب اتهامات لجنوب أفريقيا تتعلق بـ”الإبادة الجماعية ضد السكان البيض” وبـ”مصادرة الأراضي”، وهي اتهامات تعتبرها بريتوريا “غير واقعية وعدائية”.
رد جنوب أفريقيا: الغياب لا يجب أن يكون وسيلة ضغط
المتحدث باسم الخارجية الجنوب أفريقية كريسبن فيري، قال إن غياب واشنطن “ينسف دورها في صياغة مخرجات مجموعة العشرين”، مضيفاً أن تحويل الغياب إلى وسيلة ضغط “وصفة لشَلَل مؤسسي وانهيار للعمل الجماعي”.
ومع ذلك، تصر بريتوريا على المضي قدماً في إصدار إعلان ختامي، رغم المعارضة الأمريكية الصريحة، معتبرة أن ذلك جزء من إرثها كرئاسة للمجموعة قبل تسليمها نهاية العام للرئيس الأمريكي نفسه.
ووجدت جنوب أفريقيا دعماً صريحاً من عدة دول، أبرزها البرازيل، ألمانيا، ودول أوروبية أخرى.
فالبرازيل أكدت أنه يجب أن يكون هناك إعلان، وعبّرت عن دعمها بقوة إصدار إعلان. أما عن أوروبا، فقد أفاد مسؤول أوروبي في مجموعة العشرين -وفق اطلاع بقش على بلومبيرغ- بدعم إصدار إعلان مشترك، أو على الأقل “بيان لرئيس الجلسة” يحمل الحد الأدنى من التوافق.
وفي منشور رسمي على حساب “ألمانيا في أفريقيا”، أكدت الحكومة الألمانية: “ألمانيا تدعم تماماً رئاسة جنوب أفريقيا لمجموعة العشرين لعام 2025. التضامن والمساواة والاستدامة تتطلب حضوراً قوياً. كما أعلنت برلين في بيان لاحق أنها “تدعم بالكامل” رئاسة جنوب أفريقيا.
حضور دولي بارز.. وغياب أمريكي وصيني
رغم المقاطعة الأمريكية، أكدت معظم الدول مشاركتها عبر مفاوضين رئيسيين، بينما يتوقع وصول نحو 15 رئيس دولة إلى جوهانسبرغ، من بينهم قادة من البرازيل والهند وتركيا واليابان وعدة دول أوروبية.
أما الصين فستشارك بغياب الرئيس شي جين بينغ، الذي سيرسل رئيس الوزراء لي تشيانغ بديلاً عنه.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن أبرز نقاط الخلاف خلال المفاوضات تتعلق بصياغات قضايا النوع الاجتماعي، وتمويل المناخ، والالتزام بالاتفاقات المناخية العالمية.
وتقول المصادر إن الأرجنتين، الحليف المقرب لواشنطن، اعترضت على عدة بنود مرتبطة بالمناخ والتمويل، بما يعكس محوراً جديداً داعماً للموقف الأمريكي داخل القمة.
تصعيد اقتصادي: رسوم ترامب على جنوب أفريقيا
يزداد التوتر بين البلدين بسبب قرار ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 30% على صادرات جنوب أفريقيا إلى الولايات المتحدة، وهي الأعلى على مستوى القارة الأفريقية، وقد أدت إلى اهتزاز العلاقات الاقتصادية بشكل كبير.
هذا الواقع دفع جنوب أفريقيا للبحث عن أسواق آسيوية بديلة لمنتجاتها، وفق تقارير اقتصادية حديثة.
وقال وزير خارجية جنوب أفريقيا رونالد لامولا، خلال “قمة أعمال أفريقيا” التي نظمتها “بلومبيرغ”، إن بلاده حاولت مراراً إصلاح العلاقة مع واشنطن، مضيفاً: “كنا دائماً منفتحين، لكن العدائية تأتي من الجانب الأمريكي.”
ويعبّر كل ذلك عن شرخ متزايد في العلاقة بين الولايات المتحدة وإحدى أبرز دول الجنوب العالمي، في لحظة يكون فيها العالم في أمسّ الحاجة لعمل جماعي يواجه تحديات الاختلالات المالية العالمية، والتغير المناخي، والتوترات الجيوسياسية، وقضايا التنمية، وتحديات الجنوب العالمي.
كما تكشف الأزمة عن محاولة أمريكية لإعادة صياغة قواعد العمل داخل مجموعة العشرين مع توليها الرئاسة المقبلة، بينما تسعى جنوب أفريقيا لفرض رؤية مختلفة لمستقبل المجموعة، مستندة إلى دعم واسع من دول الجنوب العالمي والقوى الأوروبية.
ومع اقتراب موعد القمة، يبدو أن مخرجاتها، إن صدرت، ستكون محملة بالتوترات والانقسامات، ما يطرح أسئلة جدية حول قدرة مجموعة العشرين على الحفاظ على وحدتها في السنوات القادمة.


