حسابات أمريكا غير الدقيقة.. كيف أصبحت الحرب على إيران فرصة استراتيجية لروسيا؟

الاقتصاد العالمي | بقش
فتحت الحرب الدائرة، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، باباً واسعاً لإعادة ترتيب موازين القوى الدولية، إذ ترى أحدث التحليلات أن “موسكو” قد تكون من أكبر المستفيدين من هذه الحرب سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، فبينما تنشغل واشنطن في جبهة جديدة في الشرق الأوسط، تستعد روسيا لجني مكاسب متعددة تمتد من أسواق الطاقة إلى الحرب في أوكرانيا، وصولاً إلى إعادة تشكيل موازين القوة في النظام الدولي.
خبراء في العلاقات الدولية يرون أن الحرب الحالية تشكل عامل استنزاف إضافياً للولايات المتحدة. من هؤلاء أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنيف حسني عبيدي، الذي يقول إن موسكو لا تستطيع البقاء متفرجة على تطورات الحرب لأن إيران تمثل بالنسبة لها عمقاً جيوسياسياً مهماً، ويحذّر من أن سقوط النظام الإيراني أو تحوله إلى حليف للولايات المتحدة سيشكل تهديداً استراتيجياً مباشراً لروسيا، لذلك تحاول موسكو الحفاظ على توازن دقيق بين دعم طهران سياسياً وحماية مصالحها دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الغرب.
في المقابل، يوضح الدبلوماسي الكندي السابق كوان روبرتسون، نائب رئيس المعهد الكندي للشؤون العالمية، أن التحالف الغربي لا يزال يعتمد بشكل أساسي على حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي عاد إلى الواجهة منذ عام 2022 بعد توسع التعاون الأمني بين الولايات المتحدة وأوروبا ودول مثل اليابان وأستراليا.
لكن الحرب الحالية تثير في الوقت نفسه نقاشات داخل الحلف بشأن مستوى الالتزام العسكري، خصوصاً في ظل الضغوط الأمريكية على أوروبا لزيادة الإنفاق الدفاعي.
ويرى مختصون سياسيون واقتصاديون أن الاتحاد الأوروبي قد لا يتمكن من تبني موقف موحد تجاه الحرب، فالكثير من الدول الأوروبية ترى أن العمليات العسكرية تمثل خرقاً للقانون الدولي، وتعتبر أنها جاءت نتيجة قرار أحادي من الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يفسر التردد الأوروبي في الانخراط العسكري المباشر. ومع ذلك، تحاول العواصم الأوروبية التوفيق بين التزاماتها داخل التحالف مع واشنطن وبين الدفاع عن القانون الدولي، الأمر الذي يعكس حالة التباين داخل الاتحاد الأوروبي.
استغلال لأزمة الطاقة.. ودعم استخباراتي روسي لإيران
في موازاة هذه الحسابات السياسية، يتم الحديث عن أن موسكو قد تقدم دعماً غير مباشر لطهران. صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية قالت في تقرير اطلع عليه “بقش”، نقلاً عن ثلاثة مسؤولين مطلعين على معلومات استخباراتية، إن روسيا زودت إيران بمعلومات تتعلق بمواقع السفن الحربية والطائرات الأمريكية في الشرق الأوسط.
وفقاً للتقرير، هذا الدعم الاستخباراتي يساعد إيران على تحسين قدرتها على استهداف القوات الأمريكية في المنطقة، رغم أن تفاصيل الدعم الروسي لم تتضح بالكامل. ورداً على ذلك، قال الكرملين إنه يجري حواراً مع القيادة الإيرانية لكنه رفض تقديم تفاصيل بشأن طبيعة التعاون.
وإلى جانب المكاسب الجيوسياسية، تحقق روسيا أرباحاً اقتصادية كبيرة من الحرب، خصوصاً في أسواق الطاقة العالمية، فحسب متابعات بقش أدى إغلاق مضيق هرمز وتصاعد التوتر في الخليج إلى زيادة الطلب على مصادر الطاقة البديلة، وهو ما انعكس مباشرة على صادرات النفط والغاز الروسية، وأكد الكرملين أن الحرب أدت بالفعل إلى ارتفاع كبير في الطلب على الطاقة الروسية.
وحسب وكالة رويترز، شهدت السوق سابقة تاريخية عندما تم بيع خام الأورال الروسي بسعر أعلى من خام برنت عند التسليم إلى الموانئ الهندية لأول مرة، ويعود ذلك إلى زيادة الطلب الآسيوي على النفط الروسي في ظل اضطراب الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.
وأظهرت بيانات السوق التي جمعها بقش أن أسعار خام الأورال الروسي ارتفعت بنحو 50% خلال أسبوع واحد لتصل إلى 68.6 دولاراً للبرميل مقارنة بنحو 45.7 دولاراً سابقاً، في حين ارتفع خام برنت بنحو 25% فقط ليصل إلى 89 دولاراً للبرميل. كما تجاوز النفط الروسي سقف السعر الذي حددته مجموعة السبع عند 60 دولاراً للبرميل، وتجاوز أيضاً السقف الذي فرضه الاتحاد الأوروبي عند 44.10 دولاراً للبرميل، وهو ما أكد على تراجع فعالية القيود الغربية على صادرات الطاقة الروسية.
إعفاء أمريكي يعيد النفط الروسي إلى السوق
وفي خطوة تعكس تأثير الأزمة على أسواق الطاقة، منحت الولايات المتحدة الهند إعفاءً مؤقتاً لمدة 30 يوماً يسمح للمصافي الهندية بشراء النفط الروسي المحمل قبل 05 مارس، حسب اطلاع بقش على ما نشرته وكالة بلومبيرغ، وجاء هذا القرار في محاولة للتخفيف من الضغط على أسواق الطاقة العالمية، والحفاظ على تدفق النفط بعد اضطراب الإمدادات نتيجة الحرب في الخليج.
وتعد الهند حالياً أكبر مشترٍ للنفط الروسي المنقول بحراً منذ اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا، رغم الضغوط الأمريكية التي دفعت نيودلهي إلى تقليص مشترياتها خلال الأشهر الماضية.
وتعتزم نيودلهي استئناف استيراد النفط الروسي عقب إصدار واشنطن هذا الترخيص المؤقت، ورغم ذلك شددت الهند على استقلال قرارها السيادي، مؤكدة أنها لا تحتاج لموافقة أمريكية لمواصلة تعاملاتها مع روسيا التي لا تزال المورد الرئيسي لها.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، الهند تمتلك مخزوناً يتجاوز 250 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات البترولية، مما يمنحها قدرة عالية على مواجهة الاضطرابات قصيرة الأجل في الإمدادات، وفي الوقت ذاته أبدت روسيا استعدادها لزيادة تدفقات النفط إلى العملاقين الآسيويين، الهند والصين، كبديل لإمدادات الخليج المتعثرة.
الحرب تستنزف مخزون صواريخ الناتو
من ناحية عسكرية، قد تمنح الحرب روسيا ميزة إضافية في جبهة أوكرانيا، فوفق تقرير قرأه بقش من صحيفة وول ستريت جورنال، أدى إطلاق إيران مئات الصواريخ والطائرات المسيرة إلى استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية الغربية من طراز باتريوت.
خلال الأيام الأولى من الحرب أطلقت الولايات المتحدة وحلفاؤها مئات الصواريخ الاعتراضية للتصدي لهجمات إيرانية تضمنت أكثر من 500 صاروخ باليستي و2000 طائرة مسيرة، ويشكل هذا الاستنزاف مشكلة كبيرة لأوكرانيا، التي تعتمد بشكل أساسي على منظومة باتريوت لمواجهة الصواريخ الروسية.
وتشير التقديرات إلى أن إنتاج شركة لوكهيد مارتن من صواريخ PAC-3 المستخدمة في النظام لا يتجاوز 600 صاروخ سنوياً، في حين يتطلب اعتراض صاروخ باليستي واحد إطلاق صاروخين أو ثلاثة صواريخ اعتراضية. ويقدر سلاح الجو الأوكراني أنه يحتاج إلى 60 صاروخاً اعتراضياً شهرياً على الأقل لمواكبة الهجمات الروسية، بينما تعاني دول الناتو بالفعل من نقص في هذه الصواريخ.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو الحرب على إيران فرصة استراتيجية متعددة الأبعاد لروسيا، فهي ترفع أسعار الطاقة وتزيد الطلب على النفط والغاز الروسي، وتستنزف القدرات العسكرية الغربية، كما تشتت تركيز الولايات المتحدة نسبياً بعيداً عن الحرب في أوكرانيا.
وبينما تحاول موسكو تجنب المواجهة المباشرة مع الغرب، فإن استمرار الحرب في الشرق الأوسط قد يمنحها هامشاً أوسع لتعزيز موقعها الاقتصادي والعسكري، ما يجعلها واحدة من أبرز المستفيدين غير المباشرين من هذا الصراع المتصاعد.


