خطة ترامب لسلام أوكرانيا.. تنازلات كبيرة لصالح روسيا وضغط مصحوب بـ”فضيحة فساد أوكرانية”

تقارير | بقش
قدمت إدارة ترامب وثيقة مؤلفة من 28 بنداً تهدف إلى وضع إطار لوقف الحرب الأوكرانية الروسية وإعادة الاستقرار الإقليمي، إلا أن الخطة تتضمن تنازلات إقليمية وسياسية كبيرة تخفّض من سقف السيادة الأوكرانية، إذ على أوكرانيا الاعتراف الفعلي بضم شبه جزيرة القرم واعتبار أجزاء واسعة من دونباس أراضٍ روسية، مع فرض قيود دستورية على انضمام أوكرانيا إلى الناتو، وتجميد خطوط تماس في مناطق جنوبية وشرقية.
الخطة أثارت رفضاً أوكرانياً بقيادة فولوديمير زيلينسكي، الذي اعتبرها اختيارات قاسية تهدّد كرامة وحرية أوكرانيا وستجبرها على خيارين مريرين، إما القبول بتنازل كبير أو فقدان شريك دولي أساسي.
وحددت إدارة ترامب يوم الخميس المقبل موعداً نهائيا لكي توافق أوكرانيا على خطة البيت الأبيض لإنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا. وقال ترامب لفوكس نيوز: “لقد حددتُ الكثير من المواعيد النهائية، ولكن إذا سارت الأمور على ما يرام، قد يتم تمديد المهل النهائية. لكن يوم الخميس هو الموعد النهائي”.
مضامين الخطة
الخطة المكوّنة من 28 نقطة تعمل على تركيب اتفاق شامل يجمع بين بنود إقليمية وأمنية واقتصادية ودستورية.
تقترح الخطة الاعتراف بمنطقة القرم وبمنطقتَي لوغانسك ودونيتسك، أي التغيير في الواقع القانوني الدولي لصالح موسكو على نحو فعلي، والتنازل الترابي الإضافي ليس فقط عن الأراضي التي تسيطر عليها روسيا الآن، بل تقترح الوثيقة حصول موسكو على مزيد من الأراضي التي تسيطر فيها أوكرانيا حالياً في شرق وجنوب البلاد وفق اطلاع مرصد “بقش”، مع تجميد لخط التماس في مناطق مثل خرسون وزابوريجيا.
وتفرض الخطة قيوداً على الانضمام إلى حلف “الناتو”، حيث طالبت بإدراج بند دستوري يمنع أوكرانيا من الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي مستقبلاً، كما يلزم الحلف بعدم نشر قوات قتالية داخل أوكرانيا، وبدلاً من ذلك تُذكر إمكانية تمركز طائرات مقاتلة أوروبية في بولندا كبديل.
وحددت الخطة سقفاً لعدد القوات المسلحة الأوكرانية (بحسب التسريبات حوالى 600 ألف جندي في الوثيقة) وقيود على بعض أنواع القدرات العسكرية، إلى جانب آليات لربط الضمانات الأمنية بآليات ثأرية (مثلاً: هجمات صاروخية على مدن روسية قد تبطل الضمانات الغربية).
ومذكور في الخطة توزيع جزء من الأصول الروسية المجمدة لتمويل إعادة الإعمار، مع شروط اقتصادية لتقارب أوكرانيا مع الاتحاد الأوروبي في “مرحلة انتقالية”، وبعض المقترحات لإنعاش الاقتصاد الروسي وإعادته إلى محافل دولية (مثل إعادة إدماج محتملة في تكتلات غربية لاحقاً).
وتتضمن المسودة أيضاً فكرة إنشاء هيئة تنفيذية أو “مجلس سلام” يشرف على التنفيذ، وترد فيها إشارات إلى دور أمريكي بارز (ذِكر اسم ترامب كرئيس لهيئة تنفيذية أو ضامن في بعض الصياغات المساعدة).
الخطة من زاوية المضمون الاستراتيجي
تعني الخطة تحويل المكاسب العسكرية الروسية إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية، وتوفير شرعية جزئية لمكاسب موسكو ووضع حدود لاستراتيجية أوكرانيا لاسترداد الأراضي عبر السلاح، وهو ما يقلص الحوافز الأوكرانية للاستمرار بالقتال طويل المدى.
واستبعاد انضمام أوكرانيا للناتو يضعها في موقع أمني ضعيف على المدى الطويل، ويعيدها تحت مظلة “حياد مشروط” أو شبه حياد، مع ضمانات غير متكافئة مقارنةً بالعضوية الفعلية.
وتُربط إعادة الإعمار بالأصول الروسية المجمدة وفتح أسواق أو إسهامات استثمارية مقابل تنازلات سيادية يعكس منطق “مقايضة السلام بالثمرة الاقتصادية”، ما قد يغري البعض في بروكسل وواشنطن لكن يثير شكوكاً أخلاقية وسياسية.
ومن ناحية موسكو، تُعد الخطة نصراً دبلوماسياً، ومن ناحية واشنطن، تمنح إدارة ترامب دور “الوسيط الحاسم” الذي يفرض شروطه، وفي الوقت ذاته يرضي جزءاً من القاعدة الانتخابية التي تفضّل إنهاء النزاعات الخارجية بسرعة.
ردود فعل أولية
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قال إن الخطة الأمريكية حول أوكرانيا يمكن أن تشكل أساساً لتسوية سلمية نهائية. وأضاف خلال اجتماع مع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الروسي، أن خطة ترامب للسلام في أوكرانيا تمت مناقشتها قبل اجتماع ألاسكا.
أشار بوتين إلى أن “الولايات المتحدة طلبت من روسيا خلال المناقشات بشأن التسوية في أوكرانيا تقديم بعض التنازلات”. وفي هذا السياق، قال خبراء استراتيجيون إن الموافقة الروسية على خطة ترامب قد تكون بداية مقبولة لتسوية سلمية للأزمة الأوكرانية، وسيتبع هذه الخطوة مزيد من المفاوضات الجدية بين الأطراف.
ورحّب عدد من القادة الأوروبيين في قمة مجموعة العشرين بخطة ترامب، لكنهم أكدوا في بيان اطلع عليه بقش صدر اليوم السبت، أن الخطة المقترحة تتطلب “المزيد من العمل”. وقالوا: “نعتقد أن مسودة الخطة الأمريكية المكونة من 28 نقطة تشكل أساساً يتطلب عملاً إضافياً”.
وأبدى القادة الأوروبيون قلقهم من القيود المقترحة على الجيش الأوكراني، وشددوا على رفض تغيير حدود أوكرانيا بالقوة. وقد جاء هذا الموقف الأوروبي المشترك فيما تضغط واشنطن على كييف من أجل تقديم ردها سريعاً.
لماذا رفض زيلينسكي؟
رفض الرئيس فولوديمير زيلينسكي الخطة علناً، واعتبرها اختباراً قاسياً للكرامة الوطنية والأمن المستقبلي. ويمكن تلخيص أسباب رفضه في أن الاتفاق -حسب الرؤية الأوكرانية- بمثابة قبول بنهج “التقسيم” والشرعنة لضمّ أراضٍ أوكرانية، ما يعني التخلّي عن مبدأ الاسترداد واسترجاع الأراضي بالوسائل القانونية أو العسكرية؛ وهو ما يتعارض مع مبدأ سيادة واستقلال الدولة في وعي الجمهور الأوكراني.
كما تذكر نصوص الخطة “ضمانات أمنية موثوقة” لكن دون آليات تنفيذية قوية أو التزامات دفاعية مباشرة (أي ليست عضوية حقيقية في حلف يوفر مادة ردع حقيقية). والقيود على قدرة أوكرانيا العسكرية والإشارة إلى عقوبات تلقائية قد تضع البلد في موقف هش أمام تهديدات مستقبلية.
وأي تعديل دستوري (مثل حظر الانضمام إلى الناتو) يتطلب عمليات دستورية برلمانية وربما استفتاء شعبياً،، وقبول شروط من الخارج دون موافقة وطنية قد يُنظر إليه كخيانة أو تنازل لا يقبله البرلمان أو الشارع الأوكراني.
وترى أوكرانيا أن واشنطن تمارس ضغوطاً أحادية الجانب، بسبب فرض “مهلة” أسبوع، وإعطاء شعور بإكراه دبلوماسي يضر بقدرة كييف على التفاوض بمظلة موثوقة ومتوازنة. ووصف زيلينسكي الموقف بأنه “لحظة من أصعب لحظات تاريخ أوكرانيا” أمام خيار فقدان الشريك أو فقدان الكرامة حسب قراءة بقش للتصريحات.
“فضيحة فساد” تزيد الضغوط على زيلينسكي
الضغط على أوكرانيا جاء متزامناً مع “فضيحة فساد” تُعد “التهديد الأكبر” لحكومة زيلينسكي منذ بدء الحرب الأوكرانية في فبراير 2022. فوفقاً لوكالة أسوشيتد برس، فإن زيلينسكي أقال الأسبوع الماضي مسؤولَين رفيعين، وفرض عقوبات على مقربين منه، بعدما كشف محققون حكوميون عن اختلاس نحو 100 مليون دولار من قطاع الطاقة من خلال رشاوى دفعها متعاقدون.
لكن هذه الإجراءات لم تُهدّئ العاصفة السياسية، فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب -تخللتها انقطاعات متكررة للكهرباء- لم يتقبل الأوكرانيون بسهولة اكتشاف فساد في قطاع الطاقة، وتزايدت الدعوات لإقالة مدير مكتب الرئيس، أندري يرماك، الذي يعتبره كثيرون “نائب الرئيس الفعلي”.
أوضحت الوكالة أن زيلينسكي، ويرماك لم تُوجَّه إليهما أي اتهامات في إطار التحقيق، غير أن معارضي الرئيس، إضافة إلى حلفاء يخشون أن تُضعف الفضيحة الائتلاف البرلماني الحاكم، يرون أن استعادة ثقة الجمهور تتطلب محاسبة مزيد من المسؤولين رفيعي المستوى.
أكدت أسوشيتد برس إلى أن أوكرانيا تعاني من الفساد منذ استقلالها، وأن زيلينسكي وصل إلى السلطة على أساس التعهّد بالقضاء على هذه الآفة. ويشدد منتقدو زيلينسكي على ضرورة تعزيز مصداقية كييف أمام الحلفاء الغرب، الذين يُعد دعمهم عنصراً أساسياً في مجهود الحرب، وفي أي مفاوضات مستقبلية لإنهاء الصراع.
وفي أحدث ردود الفعل الأوروبية، طالبت المجر الاتحاد الأوروبي بوقف إرسال الأموال إلى الحكومة الأوكرانية بعد ما تردد عن وجود الفساد. وقالت المجر إن “هناك مافيا حرب ومنظومة فاسدة تعمل في أوكرانيا، وفي ظل وجود ذلك، تريد رئيسة المفوضية الأوروبية إرسال 100 مليار أخرى إلى أوكرانيا بدلاً من وقف المدفوعات والمطالبة بتصفية جميع المسائل المالية فوراً.. هذا جنون” حسب اطلاع بقش على تصريحات وزير الخارجية المجري.
كما نُقل عن مسؤولين في مكتب الرئيس الأوكراني قولهما إن زيلينسكي لم يتخذ أي قرار بشأن إقالة يرماك.
وحسب قراءة بقش، ذكرت الوكالة أن التحقيق الذي أجرته أجهزة مكافحة الفساد في كييف كشف عن تورّط مسؤولين رفيعي المستوى في ممارسة ضغوط على متعاقدين لدفع رشاوى بنسبة تصل إلى 15% مقابل الحصول على عقود إنشاءات مع شركة الطاقة النووية المملوكة للدولة Energoatom.
وتضمّن التحقيق أكثر من ألف ساعة من تسجيلات التنصت على أفراد استخدموا أسماءً حركية ولغة مشفرة لمناقشة تفاصيل المخطط، وفي بعض المحادثات، ورد ذكر شخصية نافذة تحت الاسم الحركي “علي بابا”.
بعد إعلان تفاصيل القضية، صوّت البرلمان الأوكراني على إقالة وزيرَي الطاقة والعدل، فيما فرض مكتب الرئيس عقوبات على مقربين ضالعين في القضية، من بينهم تيمور مينديتش، الشريك في ملكية شركة الإنتاج الإعلامي التي أسّسها زيلينسكي.
وتزامنت “الفضيحة” مع موجة ضربات جوية روسية حرمت ملايين الأوكرانيين من الكهرباء، مما زاد الغضب الشعبي. وفي هذا الوقت، يرى معارضو زيلينسكي أن من غير المعقول أن تجري عملية فساد بهذا الحجم من دون عِلم “يرماك” وهو المستشار الذي يهيمن على الحياة السياسية الأوكرانية منذ ست سنوات.
تداعيات محتملة لخطة ترامب
في حال قبول أوكرانيا لسيناريو التنازل عن أراضيها، فإن ذلك يثبّب مكاسب روسيا، فسياسياً ودبلوماسياً ستكون موسكو قد حوّلت مكاسبها العسكرية إلى مكاسب دائمة أو شبه دائمة، وهو ما قد يغير معادلات الأمن الأوروبي ويشجع سياسات إقليمية أكثر عدوانية مستقبلاً.
كما أن أمن أوكرانيا طويل الأمد معرض للخطر، وتبقى الضمانات عرضة للابتزاز أو التغيير مع تبدّل أولويات الدول الضامنة. ومن الممكن أن تنفجر احتجاجات أوكرانية وتنهار شرعية الحكومة، وتفقد ثقة الجمهور والقوات المسلحة التي قاتلت لاستعادة الأراضي.
أما في حال رفض الخطة (سيناريو التصعيد أو الاستمرار بالحرب)، فإن هناك مخاطر عسكرية ملموسة، فحسب تصريحات بوتين وردود الفعل الروسية، قد تترتب حملات عسكرية إضافية لاستغلال الفراغ السياسي وإلحاق “نتائج على الأرض”، كما تم التحذير بخصوص مدينة كوبيانسك الأوكرانية التي أكدت روسيا السيطرة عليها.
ويعني استمرار الحرب مزيداً من الدمار والضغط الاقتصادي والإنساني على أوكرانيا، وربما تراجع الدعم الدولي التدريجي إن تلاشت الإرادة السياسية.
وسيواجه الغرب اختبار القدرة على تقديم دعم عسكري واقتصادي مستدام مقابل مخاطر أكبر لتفجير صدام مباشر مع روسيا.
الرابح والخاسر في المعادلة
تشير قراءة بقش إلى أن الرابح الأول هو موسكو التي ستحصل على اعترافات فعلية مع تثبيت للأوضاع الراهنة وتحويل مكاسبها على الأرض إلى مكتسبات دبلوماسية.
والرابح الثاني المحتمل هو ترامب وإدارته التي قد تظهر كميسّر للسلام وتحقق مكاسب سياسية داخلية وخارجية، خصوصاً لدى جمهور يفضّل إنهاء الصراعات الخارجية.
أما أوكرانيا فتُعد الخاسر الأكبر، فإذا قبلت الخطة ستخسر جزءاً من سيادتها ووحدتها الإقليمية وستصبح أكثر ضعفاً أمنياً وسياسياً. كما ستخسر بعض الدول الأوروبية التي ترى في التسوية غير المتوازنة تهديداً لاستقرار القارة والالتزامات التضامنية داخل الحلف.
وإذا رغب المفاوض الأوكراني أو الوسطاء الأوروبيون في إنقاذ مسار تفاوضي معقول، فلن يكون أمامهم سوى العمل على آليات ضمان قابلة للإنفاذ، بتحويل “ضمانات أمنية” إلى التزامات دفاعية ملموسة أو آليات عقابية أوتوماتيكية في حال خرقها.
وتريد أوروبا تعزيز دورها كمشارك فاعل، أي ضمان المشاركة الأوروبية الحقيقية في صياغة وتنفيذ الضمانات لخفض شعور الإكراه الأحادي الجانب.
وحالياً يُنظر أن على واشنطن وباريس وبرلين أن يفتحوا قنوات تفاوضية متعددة الأطراف، فأي مقاربة أحادية الجانب تعرض للخطر التماسك الغربي وتقلل فرص تنفيذ اتفاق مستدام. وكذلك تضمين كل بند يتعلق بالحدود بآلية وخطوات قابلة للقياس.
بالنتيجة، تمثل الخطة الأمريكية لإنهاء الحرب الأوكرانية محاولةً لتخطي مأزق طويل الأمد عبر مقايضات سياسية إقليمية اقتصادية، لكنها في نصها تمنح موسكو أكثر مما تمنح كييف، وتضع أوكرانيا أمام معضلة تاريخية، إما الرضوخ إلى واقع مُعاد صياغته أم الاستمرار في القتال المحفوف بالكثير من المخاطر.


