
الاقتصاد العالمي | بقش
في تطور جديد يعمّق التوتر بين بكين وطوكيو، أعلنت الصين تعليق واردات المأكولات البحرية اليابانية، في خطوة وصفتها وسائل الإعلام اليابانية بأنها مؤشر إضافي على اتساع الفجوة الدبلوماسية بين البلدين، وأن التهدئة التي سعت إليها في الأشهر الماضية باتت أبعد من أي وقت مضى.
القرار جاء على خلفية تصريحات صينية بأن الخطوة مرتبطة بمتابعة مياه الصرف المعالجة من محطة فوكوشيما النووية، رغم أن بكين رفعت حظراً مماثلاً في يونيو الماضي حسب مراجعة بقش. لكن توقيت الإجراء الجديد بعد اجتماع وصف بالفاشل بين مسؤولي البلدين، يؤكد أن الحسابات السياسية تتجاوز الأبعاد البيئية المعلنة.
الاجتماع الذي عقد بين ليو جينسونغ، مدير إدارة الشؤون الآسيوية في وزارة الخارجية الصينية، والدبلوماسي الياباني ماساكي كاناي، لم يُحدث تقدماً ملموساً، إذ عبّر ليو عن “عدم رضاه” عن نتائجه.
وبينما حاول الجانب الياباني إعادة التأكيد على مواقفه التقليدية، ولا سيما بشأن ملف تايوان، ردت بكين بتصعيد إضافي بعدما ربطت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بين أزمة مضيق تايوان وإمكانية نشر قوات يابانية، لتصبح أول زعيم ياباني يربط ذلك علناً منذ عقود.
هذا الربط فجر غضباً صينياً واسعاً وفق متابعة بقش، ودفع وسائل الإعلام الحكومية إلى مهاجمتها بحدة، معتبرة أن تصريحاتها “تقرع جرس إنذار حاد بأن شياطين النزعة العسكرية اليابانية تُستدعى من جديد”.
لم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، فقد أثارت تصريحات تاكايتشي ردود فعل غير مسبوقة في حدتها، إذ طالبت وزارة أمن الدولة الصينية بسحبها فوراً، وحذرت عبر منشورات على مواقع التواصل من أن الزعيمة اليابانية “تلعب بالنار”، مهددة بعواقب غامضة إذا لم تتراجع.
وزادت الوزارة من حدّة رسائلها بالإشارة إلى كشف قضايا تجسس تتعلق باليابان خلال السنوات الأخيرة، دون تقديم تفاصيل، في خطوة فسرها مراقبون بأنها رسالة مقصودة لتعزيز الضغط السياسي والإعلامي على طوكيو.
أما أكثر التصريحات إثارة للجدل فجاءت من القنصل العام الصيني في أوساكا، شوه جيان، الذي نشر على منصة X تهديداً صريحاً بـ”قطع رأس تاكايتشي”، قبل أن يحذف المنشور تحت وقع الاحتجاج الياباني.
وقد طالب ماساكي كاناي أثناء الاجتماع باتخاذ “إجراء فوري” بحق الدبلوماسي الصيني، وكرر التأكيد على أن موقف بلاده بشأن ملف تايوان لم يتغير. وفي المقابل، اتهمت تشو فنغليان، المتحدثة باسم مكتب شؤون تايوان في بكين، تاكايتشي بمحاولة “إحياء النزعة العسكرية التي تدوس العدالة الدولية”، وطالبت طوكيو بوقف التدخل في الشؤون الداخلية للصين ووقف “الاستفزازات”.
طابع اقتصادي للصراع
التصعيد الصيني أخذ أيضاً طابعاً اقتصادياً واسعاً، إذ لم تقتصر تداعيات الخلاف على قطاع المأكولات البحرية، بل امتدت إلى السياحة والتجارة.
فقد حذرت بكين مواطنيها من السفر إلى اليابان، ما أدى إلى إلغاء وكالتين سياحيتين مملوكتين للدولة لرحلات جماعية محجوزة منذ أشهر، فيما شهدت أسهم شركات السياحة والتجزئة اليابانية موجة بيع حادة قبل أن تستعيد جزءاً من خسائرها.
كما أصدرت شركات حكومية كبرى، إضافة إلى بنوك ومؤسسات استثمارية، تعليمات لموظفيها بتجنب السفر إلى اليابان حسب اطلاع بقش، في مؤشر إضافي على حجم القطيعة المتنامية.
وتظهر بيانات الجمارك الصينية مدى الانهيار في حركة التبادل المتعلقة بالمأكولات البحرية، إذ لم تتجاوز قيمة وارداتها من اليابان خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 500 ألف دولار فقط، وهو مستوى شبه متوقف مقارنة بما قبل 2024، ما يعكس فعلياً أن الحظر الأخير ليس بداية، بل استمرار لتوجه أعمق في العلاقات الاقتصادية بين الطرفين.
ومع ذلك، يخشى قطاع الصناعة الياباني من أن تكون هذه الخطوة مقدمة لاستخدام الصين أدوات تجارية أكثر حساسية، كما فعلت قبل أكثر من عقد حين فرضت حظراً على صادرات المعادن النادرة إثر نزاع حدودي.
لا حل الآن من الأزمة
وقد عبّر مجلس التجارة الخارجية الياباني عن قلقه من تكرار السيناريو نفسه قائلاً: “لا يمكننا استبعاد مخاطر جديدة على إمدادات المعادن النادرة”.
ويُجمع الخبراء، ومنهم جيريمي تشان كبير خبراء مجموعة أوراسيا والدبلوماسي الأمريكي السابق، على أن الأزمة الحالية تبدو بلا مخرج عاجل، إذ تصر بكين على مطلب لا تستطيع تاكايتشي ولا حكومتها تلبيته، وهو سحب التصريحات بالكامل، وفي الوقت ذاته لا ترغب اليابان في الظهور طرفاً متراجعاً تحت الضغط الصيني، ما يجعل مسار التهدئة مؤجلاً إلى أجل غير معروف.
هذا الانسداد يُنذر بمرحلة أطول من التوتر قد تنعكس على ملفات حساسة في شرق آسيا، بدءاً من مضيق تايوان ووصولاً إلى سوق المعادن النادرة وسلاسل التوريد الصناعية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.
ووسط هذه التطورات، يبدو أن العلاقات الصينية اليابانية تدخل طوراً جديداً من التصادم البارد، حيث تختلط الحسابات الأمنية بالتوترات التاريخية والمنافسة الاقتصادية.
ومع تصاعد الرسائل المتبادلة، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة أكثر تقلباً، في ظل غياب الإشارات التي توحي بوجود نية حقيقية لدى أي من الطرفين للعودة إلى مسار التهدئة في المدى المنظور.


