رسوم الأراضي البيضاء تعيد رسم خريطة العقارات في السعودية.. من كبح الاحتكار إلى محاولة توازن الاستثمار

الاقتصاد العربي | بقش
مع دخول عام 2026، دخلت السعودية مرحلة جديدة وأكثر عمقاً في محاولات إصلاح سوقها العقارية، حيث بدأ التطبيق الأوسع لنظام رسوم الأراضي البيضاء بصيغة محدثة ضمن سياق رؤية السعودية 2030.
وأعلنت وزارة البلديات والإسكان إصدار نحو 60 ألف فاتورة رسوم في مدينة الرياض وحدها، في خطوة تعكس الانتقال من مرحلة التشريع والتنظير إلى مرحلة التنفيذ الفعلي واسع النطاق. ووفق اطلاع مرصد “بقش”، تبلغ الرسوم وفق النظام الجديد ما يصل إلى 10% سنوياً من قيمة الأرض، بعد أن كانت ثابتة عند 2.5%، ما يعني أن كلفة الاحتفاظ بالأراضي غير المطورة داخل النطاقات العمرانية أصبحت مرتفعة إلى حد يدفع الملاك إلى أحد خيارين: التطوير أو التخلي عن الاحتكار.
تحول في السياسة الرسمية
هذا التحول في نسبة الرسوم يكشف بوضوح عن تغير في نظرة الدولة إلى الأراضي البيضاء، من كونها أصولاً جامدة قابلة للتخزين طويل الأمد، إلى مورد اقتصادي يجب إدخاله في دورة الإنتاج العمراني.
فالقرار الذي اتُخذ في أبريل الماضي بفرض رسوم مرنة بدلاً من النسبة الثابتة لم يكن تقنياً فقط، بل ضمن رغبة رسمية في تسريع التنمية الحضرية المستدامة، والحد من ظاهرة تجميد مساحات شاسعة داخل المدن بانتظار ارتفاع الأسعار حسب متابعة بقش، وهي ظاهرة ساهمت لسنوات في تضييق المعروض ورفع كلفة السكن.
الأكثر دلالة في هذا السياق هو توسيع نطاق الرسوم ليشمل، للمرة الأولى، العقارات الشاغرة، وليس فقط الأراضي غير المطورة، وتعني هذه الخطوة أن الدولة لم تعد تستهدف احتكار الأرض فحسب، بل أيضاً تعطيل الوحدات السكنية الجاهزة عن الاستخدام، وهو ما يضع مالكي العقارات غير المستغلة أمام معادلة جديدة، إما إدخال الوحدات في سوق الإيجار أو البيع، أو تحمّل كلفة مالية متصاعدة.
ويمكن اعتبار هذا الإجراء من أكثر محطات إعادة هيكلة السوق العقارية جرأة منذ إطلاق رؤية 2030، لأنه يهاجم أحد جذور الجمود العمراني داخل المدن الكبرى.
تأتي هذه الإجراءات ضمن هدف استراتيجي واضح، يتمثل في رفع نسبة تملك المواطنين للمساكن إلى 70% بحلول عام 2030.
فوفق التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2024 الذي راجعه بقش، بلغت نسبة التملك 65.4% بنهاية ذلك العام، ما يعني أن الوصول إلى الهدف المعلن يتطلب تسريعاً ملموساً في وتيرة توفير المساكن وضبط الأسعار خلال السنوات الخمس المتبقية من العقد.
تأثيرات القرار
المؤشرات الأولية لتأثير القرار بدأت بالظهور سريعاً، إذ أدى الإعلان عن الرسوم وتفعيلها إلى زيادة كبيرة في الأراضي المعروضة للبيع، لتصل إلى نحو 200 مليون متر مربع.
وخلال أقل من أسبوع واحد فقط من بدء التطبيق، جرى تسويق أكثر من 5 ملايين متر مربع من الأراضي الخام عبر المزادات والمنصات العقارية، وفق تقرير صادر عن المركز المالي الكويتي.
وتعكس هذه الأرقام حجم الأراضي التي كانت محتجزة خارج السوق، وتوضح كيف يمكن للأدوات التنظيمية أن تعيد تحريك العرض بسرعة عندما تتغير الحوافز والتكاليف.
وعلى مستوى الأسعار، تُظهر البيانات الرسمية أن السوق العقارية بدأت تستجيب قبل التنفيذ الكامل للقرارات، فقد سجل مؤشر أسعار العقارات في الربع الثالث من عام 2025 أبطأ وتيرة نمو منذ الربع الأول من عام 2022، حسب الهيئة العامة للإحصاء.
ويعود هذا التباطؤ بشكل رئيسي إلى القطاع السكني، الذي يمثل نحو 72.7% من وزن المؤشر، حيث انخفضت أسعاره بنسبة 0.9% على أساس سنوي، وهو أول انخفاض منذ الربع الأول من عام 2024.
ويشير هذا التراجع إلى أن توقعات السوق بشأن زيادة المعروض وضبط الاحتكار بدأت تنعكس على سلوك المشترين والبائعين.
الأمر نفسه ينطبق على سوق الإيجارات، التي شهدت تباطؤاً ملحوظاً في وتيرة الارتفاع، فبحلول نهاية نوفمبر الماضي، بلغت نسبة نمو إيجارات المساكن 5.4%، وهي أدنى نسبة منذ نوفمبر 2022، مقارنة بذروة وصلت إلى 11.8% في فترات سابقة.
يعني ذلك أن الضغط الذي مارسته الإيجارات على دخل الأسر بدأ يتراجع نسبياً، ولو بشكل تدريجي، نتيجة توسع الخيارات المتاحة أمام المستأجرين.
وفي موازاة هذه الإجراءات، دخل النظام المحدث لتملك غير السعوديين للمساكن حيز التنفيذ، ليشكّل مكملاً للإصلاحات العقارية الجارية. وتشير التقارير إلى أن أهمية هذا النظام تكمن في محاولته تحقيق توازن دقيق بين جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز السيولة في السوق من جهة، والحفاظ على استقرار الأسعار وحماية فرص تملك المواطنين من جهة أخرى.
ففتحُ باب التملك لغير السعوديين يُنظر إليه كأداة لتنشيط القطاع، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى ضوابط تحول دون تحوله إلى عامل ضغط إضافي على الطلب المحلي.
ومن اللافت أن نظام رسوم الأراضي البيضاء لا يتعامل مع الملاك بمنطق العقوبة الصرفة، بل يوفّر مسارات مرنة لمن يبدون جدية في التطوير، إذ تتيح الوزارة مُهل سداد ممتدة للمكلفين الذين يثبتون شروعهم في تطوير أراضيهم، على أن تخضع طلبات التمديد لدراسة لجان مختصة وبضوابط فنية محددة.
ويهدف هذا النهج إلى تشجيع التطوير الفعلي وتقليص الأعباء المالية على الملتزمين، بدلاً من دفعهم إلى البيع القسري أو الخروج من السوق.
غير أن حجم التحدي لا يزال كبيراً، فوفق تصريحات سابقة لوزير البلديات والإسكان ماجد الحقيل، تحتاج المدن السعودية الخمس الكبرى إلى أكثر من 1.5 مليون وحدة سكنية جديدة بحلول عام 2030 لتلبية الطلب المتزايد.
وتستحوذ الرياض وحدها على ما يقارب نصف هذا الاحتياج، بما يزيد على 731 ألف وحدة سكنية متوقعة، وسط نمو سكاني سريع وتوسع حضري متواصل.
ورغم التقدم المحقق في ملف الإسكان، يبقى الوصول إلى مستهدف 70% من التملك مرهوناً بقدرة هذه الإصلاحات على معالجة مشكلتين أساسيتين، وهما محدودية المعروض وارتفاع الأسعار مقارنة بالقدرات الشرائية لشريحة واسعة من السكان.


