
الاقتصاد العالمي | بقش
شهدت إيران موجة من الغارات الجوية الإسرائيلية والأمريكية استهدفت منشآت صناعية حساسة، بما في ذلك مصانع الصلب الكبرى والمنشآت النووية المدنية، وهو ما دفع الحكومة الإيرانية إلى إصدار تهديدات بالرد على ما اعتبرته “اعتداءً على الأصول الاقتصادية الاستراتيجية”، ووفق اطلاع “بقش” فإن الهجمات التي طالت محافظات أصفهان والأحواز ويزد، أثارت قلقاً واسعاً على المستوى الاقتصادي الإقليمي والدولي، نظراً لأهمية هذه الصناعات في سلاسل الإنتاج المحلية والعالمية.
وتُعد إيران من الدول المهمة في قطاع الصلب في الشرق الأوسط، حيث تمثل شركات مثل “مباركة” في أصفهان و”فولاذ خوزستان” في الأحواز العمود الفقري للصناعة المعدنية.
تعرّض مصنع “مباركة” في أصفهان لضربة أصابت وحدات إنتاج حيوية تشمل خطوط إنتاج الصلب السبائكي، محطات فرعية للكهرباء ومستودعات تخزين المواد الخام، ويُعتبر المصنع أكبر منتج للصلب المسطح في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويشكل نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي الإيراني، ما يجعل أي توقف في إنتاجه له تأثيرات اقتصادية ملموسة.
وأعلن مصنع “خوزستان” في الأحواز عن توقف كامل في خطوط الإنتاج بعد إصابة وحدات الإحياء الثاني ومجمع زمزم 3، مما أدى لتعطّل العمليات التشغيلية المباشرة، وهذا المصنع يُعد ثاني أكبر منتج للصلب في إيران، بإنتاج بلغ نحو 4.2 ملايين طن من الصلب الخام عام 2025 حسب قراءة بقش، وهو مورد رئيسي للصناعات التحويلية والبناء والطاقة.
وتوضح تقارير الخبراء أن توقف الإنتاج في هذه المنشآت، حتى لو كان مؤقتاً، سيؤثر على إنتاج البليت والشرائح الفولاذية وقدرة إيران على التصدير، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة أسعار منتجات الحديد محلياً.
استهداف البنية التحتية النووية والمدنية
إلى جانب قطاع الصلب، تعرضت المنشآت النووية الإيرانية لضربات أدت إلى أضرار محدودة لكنها رمزية من الناحية الاستراتيجية. مصنع أردكان لمعالجة اليورانيوم تعرض لغارة شملت المباني المخصصة للتخصيب، ولم تؤدِ الهجمات إلى أي تسرب إشعاعي، وفق المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية.
وأصيب مفاعل الماء الثقيل في خنداب وآراك بعدد من المباني المساندة، مع عدم تسجيل أي إصابات بشرية، وهذه المفاعلات تُعد جزءاً من القدرة النووية المدنية في البلاد، ولها أهمية استراتيجية ضمن شبكة البحث والتطوير النووي الإيراني.
وجاءت ردة الفعل الإيرانية عنيفة، إذ تحدث وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” عن الهجمات الأخيرة بوصفها “انتهاكاً صارخاً للدبلوماسية”، مهدداً بأن إيران ستجعل “المعتدين يدفعون ثمناً باهظاً”. وبدوره أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه سيركز على “استهداف المواقع الصناعية” في حال تواصلت الضربات، مؤكداً أن الرد سيكون مدروساً ويستهدف المنشآت ذات الأهمية الاقتصادية الحيوية.
أبعاد اقتصادية
الهجمات على مصانع الصلب والمنشآت النووية تمتد إلى خارج إيران، أي إلى الأسواق الإقليمية والدولية. على المستوى الإيراني، سيؤثر توقف الإنتاج في مصانع مباركة وخوزستان على صادرات إيران من المنتجات نصف المصنعة التي بلغت نحو 550 ألف طن شهرياً عام 2024، ما قد يؤدي إلى اضطراب في أسواق المعادن الإقليمية وارتفاع الأسعار.
وتضرر محطات الكهرباء والمرافق المرتبطة بالإنتاج الصناعي يزيد من صعوبة استعادة الإنتاج الكامل، ويشكل ضغطاً إضافياً على الصناعات المحلية التي تعتمد على الإمدادات المتواصلة للصلب.
وثمة تأثير قوي على التجارة العالمية، فإيران تشكل جزءاً من سلاسل إمداد الحديد والصلب في الشرق الأوسط، وأي تعطّل طويل الأمد سيؤثر على مشاريع البناء والبنى التحتية في المنطقة، مع احتمال زيادة تكاليف التأمين والشحن البحري.
وتشير الهجمات الأخيرة إلى مرحلة جديدة من المواجهة، حيث يتم التركيز على الأصول الصناعية الحساسة التي تمثل مزيجاً من الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية، ما يعني توجيه النظر إلى ضرب القدرات الإنتاجية والاقتصادية الحيوية للدولة، وهو ما يزيد من تعقيد الحسابات السياسية والاقتصادية في المنطقة.
ومع استمرار التقييم الفني للأضرار، فإن تقديرات أولية تتبَّعها بقش تشير إلى أن بعض خطوط الإنتاج قد تعود للعمل خلال أسابيع، فيما قد يستغرق استقرار كامل المرافق شهوراً، حسب حجم الإصلاحات المطلوبة واستعادة البنية التحتية للطاقة.
ويمكن القول إن الهجمات على مصانع الصلب والمنشآت النووية الإيرانية باتت مفتاح تصعيد كامل في المواجهة على الجبهة الاقتصادية والصناعية الحيوية، وتضع إيران أمام تحديات مباشرة في الحفاظ على إنتاجها الصناعي، وتثير مخاطر محتملة على الأسواق الإقليمية والدولية، في حين تستمر جهود إعادة تأهيل المنشآت المتضررة لتخفيف الأثر الاقتصادي.


