رماد إثيوبي يعبر البحر.. ثوران بركاني نادر يضع اليمن تحت سحابة غير مسبوقة

متابعات محلية | بقش
لم يكن صباح الأحد يوماً عادياً في سماء المنطقة، ولا بالنسبة للعلماء الذين تابعوا بدهشة واحدة من أندر الظواهر الجيولوجية في القرن. فبعد صمت امتد 12 ألف عام، انفجر بركان هايلي غوبي في شمال شرق إثيوبيا، مطلقاً أعمدة هائلة من الرماد تصاعدت حتى ارتفاع 14 كيلومتراً واخترقت المجال الجوي الإقليمي، قبل أن تتجه — على نحو مفاجئ — نحو اليمن وسلطنة عمان تحت تأثير الرياح.
ورغم أن البركان يقع في منطقة نائية من إقليم عفر قرب الحدود الإريترية، فإن تأثيره تجاوز الجغرافيا، ليصل إلى دول تبعد مئات الكيلومترات. ولم يقتصر المشهد على السحب الرمادية في صور الأقمار الصناعية، بل تحوّل سريعاً إلى حالة استنفار في الأوساط الجوية والصحية اليمنية مع تمدد الرماد فوق محافظات مكتظة بالسكان.
وتشير بيانات برنامج علم البراكين العالمي إلى أن هذا البركان لم يسجل أي نشاط منذ العصر الهولوسيني، ما يجعل ثورانه حدثاً “استثنائياً” بمقاييس الجيولوجيا. لكن الاستثناء الأكبر — من زاوية يمنية — هو أن البلاد التي تعاني ظروفاً بيئية وصحية صعبة، تجد نفسها اليوم أمام تحدٍّ جديد لا يتكرر غالباً في المنطقة.
الرماد يصل اليمن.. والمخاوف تتسع
بحسب مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر في اليمن، تمددت سحب الرماد البركاني فوق مساحات واسعة من محافظات الحديدة وإب وذمار، مع احتمال اتساع نطاق التأثير تبعاً لتغير حركة الرياح خلال الأيام المقبلة.
المركز أكد أن الجسيمات المحمولة ليست مجرد غبار عادي، بل مزيج دقيق من الصخور والزجاج البركاني، قادر على قطع مئات الكيلومترات، ويمكن أن يبقى معلقاً في الهواء لفترة أطول من المتوقع.
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بدت حالة القلق واضحة بين اليمنيين الذين لم يألفوا مثل هذه الظواهر، لا سيما في ظل غياب بنية صحية قادرة على التعامل مع موجات تلوث مفاجئة. بعض السكان في الحديدة تحدثوا عن “غبرة داكنة” في السماء، وآخرون في إب وذمار أبلغوا عن تغيّر في لون الأفق في ساعات الفجر الأولى.
ورغم أن اليمن بعيدة نسبياً عن مركز الثوران، فإن هشاشة الوضع البيئي — خصوصاً في المدن الساحلية المكتظة — تجعل أي تغير في نوعية الهواء مؤثراً، فيما يحذر الأطباء من تزايد حالات الربو والاختناق لدى الفئات الحساسة.
تحديات بيئية في بلد يعاني أصلاً من الأزمات
اليمن التي تعاني من حرب طويلة، وانهيار في الخدمات البيئية، وغياب رقابة على جودة الهواء، تواجه اليوم عامل تلوث جديداً لا يرتبط بمصادر داخلية، بل بحدث جيولوجي خارج حدودها.
فالرماد البركاني، وإن كان غير مرئي في كثير من الأحيان، يحمل مخاطر متعددة:
أولاً: الجسيمات البركانية الدقيقة يمكن أن تستقر في الجهاز التنفسي وتفاقم أمراض الصدر المنتشرة أصلاً بسبب الدخان والانبعاثات.
ثانياً: الرماد إذا اختلط بالأمطار، يشكل طبقات طينية قد تتسبب في انسداد شبكات التصريف، خصوصاً في مدن مثل الحديدة وتعز.
ثالثاً: المناطق الزراعية في إب وذمار قد تتأثر بطبقة رقيقة من الرماد، ما قد ينعكس على جودة بعض المحاصيل الحساسة.
رابعاً: أخيراً، تفتقر اليمن إلى منظومة إنذار مبكر متقدمة، ما يجعل التقييم الفوري للأثر البيئي أكثر تعقيداً.
ولذلك، يؤكد خبراء البيئة أن التأثير الحقيقي لن يتضح خلال يوم أو يومين، وأن مراقبة جودة الهواء يجب أن تستمر لأسبوع على الأقل.
ثوران جيولوجي عابر للحدود.. ماذا يعني ذلك للمنطقة؟
ما حدث في بركان هايلي غوبي ليس مجرد ثوران محدود في منطقة صحراوية شرق أفريقيا، بل حدث يكشف طبيعة النظام الجيولوجي الهش الممتد من وادي الصدع إلى البحر الأحمر. المنطقة التي تتسع ببطء مع حركة الصفائح، وتستعد خلال آلاف السنين لانفصال جيولوجي ضخم، أثبتت مرة أخرى أنها قادرة على إحداث تأثيرات واسعة تصل إلى الجزيرة العربية.
ولأن اليمن تقع في مرمى الرياح القادمة من القرن الأفريقي، فإنها تعد الأكثر عرضة لاستقبال آثار النشاط البركاني في المنطقة، مقارنة بدول أخرى بعيدة عن خطوط انتقال السحب.
وفي هذا السياق، يشير باحثون إلى أن النشاط البركاني في شرق أفريقيا مرتبط بحركة الصفائح التكتونية التي قد تصبح أكثر نشاطاً خلال المئة سنة القادمة، ما يعني أن المنطقة كلها — بما فيها اليمن — قد تشهد ظواهر مشابهة وإن بشكل غير متكرر.
ويُعد انتشار الرماد لمسافات طويلة دليلاً على قوة الانبعاث وعلى طبيعة الغيوم التي تشكلت فوق البركان، ما يعطي فرصة علمية لدراسة تفاعل الرماد البركاني مع أنظمة الطقس في جنوب الجزيرة العربية.
لم يسجل التاريخ الحديث حدثاً مشابهاً في المنطقة، ولا وصول رماد بركاني من القرن الأفريقي إلى قلب المدن اليمنية بهذه الكثافة. وبينما انتهى ثوران هايلي غوبي خلال ساعات، فإن تأثيره على اليمن لا يبدو عابراً. فالمخاوف الصحية، والقلق العام، والغياب المؤسسي للرصد البيئي، كلها تطرح سؤالاً أكبر: كيف يمكن لدولة في وضع هش أن تتعامل مع تهديدات بيئية غير متوقعة؟
كما يكشف الحدث هشاشة الأنظمة البيئية في بلد يعاني من حرب وتراجع في الخدمات، ويعيد التذكير بأن اليمن ليست بمنأى عن التغيرات الجيولوجية والمناخية في شرق أفريقيا والبحر الأحمر.
إن الرماد الذي عبر البحر ليس مجرد ظاهرة طبيعية؛ بل رسالة بأن اليمن بحاجة إلى منظومة حماية بيئية أكثر صلابة، قبل أن تجد نفسها أمام ظواهر أعقد وأخطر في المستقبل.


