تقارير
أخر الأخبار

من القصف إلى الخنق: إسرائيل تدير حرباً صامتة بالمجاعة والبرد في غزة

تقارير | بقش

رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، تواصل إسرائيل سياسة الخنق المنهجي لقطاع غزة عبر القيود المشددة على إدخال المساعدات الإنسانية، في مشهد يعكس انتقال أدوات الحرب من القصف المباشر إلى التجويع المنظم، ومن التدمير العسكري إلى الاستنزاف الإنساني طويل الأمد.

فبينما يحتاج قطاع غزة إلى ما لا يقل عن 600 شاحنة مساعدات يومياً لتغطية الحد الأدنى من احتياجات أكثر من 2.4 مليون إنسان، لا يتجاوز المعدل الفعلي لما تسمح إسرائيل بإدخاله 234 شاحنة فقط وفق متابعة بقش، ما يترك فجوة إنسانية هائلة لا يمكن سدّها بالمسكنات أو الوعود السياسية.

هذه السياسة لا تبدو ناتجة عن عجز لوجستي أو اعتبارات أمنية حقيقية، بل عن قرار سياسي واضح بإبقاء القطاع على حافة المجاعة والانهيار الصحي، حتى في ظل الضغوط الدولية والقرارات الأممية المتتالية التي تطالب برفع القيود فوراً.

وفي الوقت الذي يفترض فيه أن يشكل وقف إطلاق النار بداية لمعالجة الكارثة الإنسانية، تحوّل عملياً إلى غطاء لإدارة الأزمة بأدوات أقل صخباً، لكنها أكثر فتكاً، حيث يُترك المدنيون لمواجهة البرد والجوع والمرض دون حماية أو إغاثة كافية.

مساعدات محاصرة وأرقام تكشف سياسة الخنق

تفرض سلطات الاحتلال قيوداً صارمة على المعابر الثلاثة المؤدية إلى قطاع غزة، وتتحكم بدقة في نوعية وكميات المساعدات المسموح بدخولها، مع حظر شبه كامل لمواد حيوية مثل البيوت المتنقلة، وقطع الغيار، والوقود، بحجج أمنية وُصفت بأنها واهية.

وتشير البيانات الإنسانية التي يتتبَّعها مرصد بقش إلى نفاد 52% من الأدوية الأساسية داخل القطاع، في وقت لا تتجاوز فيه كميات الوقود الداخلة 13% من الحاجة الفعلية، ما ينعكس مباشرة على عمل المستشفيات، ومحطات تحلية المياه، وخدمات الإسعاف.

هذا النقص الحاد لا يترك مجالاً للصدفة، بل يؤكد أن المساعدات تُدار كأداة ضغط، تُفتح وتُغلق وفق حسابات سياسية، لا وفق معايير إنسانية، ما يحوّل الإغاثة إلى ورقة ابتزاز جماعي بحق سكان القطاع.

ومع استمرار هذه القيود، يتحول وقف إطلاق النار من فرصة لإنقاذ الأرواح إلى مرحلة جديدة من العقاب الجماعي، حيث يُمنع الدواء والغذاء عن المدنيين دون إعلان حرب صريح، لكن بنتائج لا تقل كارثية.

تفاقمت المأساة الإنسانية مع اجتياح المنخفض الجوي “بيرون” قطاع غزة، في وقت يعيش فيه مئات آلاف النازحين داخل خيام مهترئة لا تقي من المطر ولا من البرد، وسط غياب شبه كامل لمستلزمات الإيواء.

وأسفرت الأمطار والبرد عن استشهاد 14 فلسطينياً، بينهم 6 أطفال، إضافة إلى انهيار أكثر من 15 منزلاً، وانتشال جثامين عائلات كاملة من تحت الأنقاض، في مشاهد تختصر حجم العجز الإنساني المفروض على القطاع.

ووفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، جرفت السيول واقتلعت الرياح أكثر من 27 ألف خيمة، ما ترك مئات آلاف النازحين بلا مأوى فعلي، في ظل شح شديد في الملابس الشتوية والأغطية والخيام البديلة.

هنا يتحول الشتاء إلى أداة قتل غير مباشرة، إذ لا يحتاج الأمر إلى قصف أو رصاص، بل يكفي منع مواد الإيواء والوقود، ليتحول البرد والمطر إلى سبب مباشر للموت.

تحذيرات أممية بلا أثر عملي

أكدت الأمم المتحدة أن أكثر من 140 ألف شخص تضرروا من الأمطار الغزيرة التي غمرت أكثر من 200 موقع نزوح في قطاع غزة، محذرة من أن استمرار القيود على المساعدات سيؤدي إلى تفاقم الكارثة الإنسانية.

وشدد نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة فرحان حق على ضرورة رفع القيود فوراً، ورفع الحظر عن عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، باعتبارها العمود الفقري للعمل الإنساني في القطاع.

من جانبه، أكد المتحدث باسم “يونيسيف” في فلسطين أن الحاجة ملحّة لإدخال مزيد من الملابس والخيام والمساعدات الأساسية، محذراً من أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً من استمرار الوضع الحالي.

لكن هذه التحذيرات، رغم تكرارها وحدّتها، تصطدم بعجز دولي واضح عن فرض تنفيذها، ما يحوّل القرارات الأممية إلى بيانات إدانة بلا أدوات ردع، ويمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للاستمرار في سياساتها دون تكلفة فعلية.

قرار أممي جديد… وصدام سياسي متصاعد

سياسياً، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يطالب إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، بالسماح الفوري وغير المشروط بدخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وضمان توفير الغذاء والماء والدواء والمأوى للسكان.

وأكد القرار، الذي صاغته النرويج، أن وكالة “أونروا” جهة لا غنى عنها في تقديم المساعدات، ودعا إلى حماية الطواقم الطبية والإغاثية، ومنع التهجير القسري وتجويع المدنيين.

ورغم تصويت 139 دولة لصالح القرار، رفضته إسرائيل والولايات المتحدة، وامتنعت 19 دولة عن التصويت، في مشهد يعكس عمق الانقسام الدولي، وعجز المنظومة الأممية عن فرض قراراتها على أرض الواقع.

في المقابل، ردت إسرائيل بغضب، وهاجمت الأمم المتحدة و”أونروا”، ووصفت القرارات بأنها “منحازة ومشوّهة أخلاقياً”، في محاولة لنزع الشرعية عن أي مسار دولي يقيّد سياساتها في غزة.

ما يجري في غزة اليوم لم يعد مجرد أزمة إنسانية طارئة، بل سياسة ممنهجة لإدارة الحياة على حافة الموت، عبر التحكم بالغذاء والدواء والمأوى، وتحويل المساعدات إلى أداة ضغط جماعي، حتى في ظل وقف إطلاق النار.

فالتجويع، ومنع الإيواء، وترك المدنيين فريسة للبرد والمرض، كلها تشكل امتداداً لحرب الإبادة، لكن بأدوات أقل ضجيجاً وأكثر ديمومة، ما يجعل الكارثة الإنسانية في غزة مرشحة للتفاقم لا للانحسار.

وفي ظل غياب إرادة دولية حقيقية لفرض القرارات الأممية، يبقى سكان غزة محاصرين بين قرارات لا تُنفّذ، وواقع ميداني يزداد قسوة، حيث يتحول الحق في الحياة إلى معركة يومية، لا تُخاض بالسلاح، بل بالصبر على الجوع والبرد والخذلان الدولي.

زر الذهاب إلى الأعلى