
الاقتصاد العالمي | بقش
بعد أكثر من خمس سنوات على فرض واحدة من أشد العقوبات التكنولوجية في العصر الحديث على شركة “هواوي” الصينية، تقف الشركة اليوم عند مفترق طرق بين صمود استثنائي ومنافسة عالمية محتدمة، فرغم القيود الأمريكية التي أعادت رسم خريطة أعمالها الدولية، نجحت “هواوي” في إعادة ترتيب قوتها داخلياً، وبناء منظومة تكنولوجية موازية، ما يجعل تجربتها مثالاً على قدرة التكنولوجيا الصينية على النجاة وسط أعنف صراع جيوسياسي رقمي يشهده العالم.
حسب قراءة مرصد “بقش”، بدأت بوادر التحديات منذ تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي عام 2012، الذي كشف عن ممارسات “هواوي” غير العادلة وعلاقاتها بجيش التحرير الشعبي الصيني، وكان هذا التقرير بمثابة إنذار مبكر دفع الشركة إلى التحرك الاستباقي وتنويع مصادر إيراداتها داخل السوق المحلية الصينية.
وفي 16 مايو 2019، أدرجت وزارة التجارة الأمريكية “هواوي” وشركاتها ضمن قائمة الكيانات المحظورة من الوصول إلى التكنولوجيا والبرمجيات الأمريكية، بما في ذلك خدمات جوجل ونظام أندرويد، دون ترخيص حكومي، وأثرت هذه الخطوة بشكل مباشر على قدرة الشركة على المنافسة عالمياً، خاصة في أوروبا وأمريكا الشمالية، فيما حافظت على حضورها القوي داخل الصين وأسواق معينة في آسيا والشرق الأوسط.
الأداء المالي قبل وبعد العقوبات
توضح البيانات الرسمية أن “هواوي” تمكنت من الحفاظ على استقرار نسبي لإيراداتها، مع تحول واضح نحو السوق المحلي، إذ حققت في 2024 ثاني أكبر إيرادات في تاريخها، بأكثر من 118 مليار دولار. وتُظهر الأرقام التي تتبَّعها مرصد “بقش” تقدماً تدريجياً نحو الاعتماد على السوق المحلية الصينية، حيث ارتفعت نسبة الإيرادات المحلية من 50.5% في 2017 إلى أكثر من 71% في 2024، في حين تراجعت الإيرادات العالمية إلى أقل من 30% من الإجمالي، ويعكس هذا التوجه قدرة “هواوي” على التعافي داخلياً رغم القيود الخارجية.
وكان الدعم الحكومي حجر الأساس في صمود “هواوي”، حيث حصلت الشركة على نحو 46 مليار دولار في صورة قروض وتسهيلات ائتمانية من مقرضين حكوميين صينيين، إضافةً إلى إعفاءات ضريبية بلغت حوالي 25 مليار دولار خلال الفترة 2008–2018.
ساهم هذا الدعم في تطوير نظام التشغيل الخاص “HarmonyOS” واستحداث شريحة “Kirin 9000S” محلياً، وهو ما منح الشركة استقلالية تقنية نسبية.
ورفع الإنفاق على البحث والتطوير إلى 20.8% من الإيرادات كان محورياً لتطوير نظام التشغيل الذي يعمل اليوم على أكثر من مليار جهاز، والتعاون مع شركة “SMIC” لإنتاج رقائق 7 نانومتر عبر تقنية DUV، وتطوير معالجات “Ascend”.
ومكّن هذا الاستثمار الضخم شركة “هواوي” من تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الغربية وبناء قدرات محلية في مجالات متعددة مثل المركبات الذكية والحوسبة السحابية.
كما ساعد ولاء المستهلكين المحليين إلى جانب التوسع في السيارات الذكية والطاقة والحوسبة السحابية في تعزيز حصانة الشركة، وساهم التوجه المبكر نحو أسواق غير خاضعة للضغط الأمريكي في توفير حماية إضافية ضد الصدمات الاقتصادية والسياسية.
مصدر قلق لأمريكا
تقول وكالة بلومبيرغ في تقرير اطلع عليه بقش إن “هواوي” أصبحت مصدر قلق بالنسبة لواشنطن بسبب المخاوف المتعلقة بالتجسس والانتهاكات المحتملة للملكية الفكرية، وعلاقتها بالبنية القانونية الصينية التي تلزم الشركات بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات.
وكشف تحقيق لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي عام 2022 أن معدات “هواوي” قادرة على تعطيل الاتصالات العسكرية الأمريكية، بما في ذلك تلك المتعلقة بالترسانة النووية، مما زاد من مخاوف الأمن القومي الأمريكي.
في الوقت نفسه، يرى خبراء أن هذه المخاوف تعكس صراع القيادة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين أكثر من كونها مسألة أمنية بحتة، وأن العقوبات والسياسات الأمريكية تهدف إلى “الفصل التكنولوجي” وحصر النفوذ الصيني في إطار داخلي.
وشهدت السوق الصينية منافسة حادة بين “هواوي” و”أبل” الأمريكية، حيث استعادت الشركة الصينية المركز الأول بحصة 18% في الربع الثاني من 2025، في حين قفزت “أبل” إلى 25% عالمياً في أكتوبر 2025 لأول مرة منذ ثلاث سنوات.
هذه المنافسة عكست صراعاً بين نموذجين تقنيين، هما النموذج الغربي بقيادة الولايات المتحدة ونظامها البيئي، والنموذج الصيني بقيادة “هواوي” و”نظام HarmonyOS”.
كما أطلقت “هواوي” هاتف “Mate 60” القابل للطي ثلاث مرات في سبتمبر 2024، قبل 12 ساعة فقط من مؤتمر “أبل”، في خطوة تؤكد المنافسة الاستراتيجية بين العملاقتين على صعيد الابتكار والسرعة في إطلاق المنتجات.
نفوذ “هواوي” في الشرق الأوسط
تنظر التقارير الأمريكية إلى أن شركة “هواوي” باتت “أداة نفوذ صينية” في منطقة الشرق الأوسط، عبر شبكات الجيل الخامس، والحوسبة السحابية، والمدن الذكية، والتدريب التقني، مع شراكات واتفاقيات مع نحو 11 دولة، أبرزها مصر ودول الخليج.
الأسعار التنافسية والتوافق مع استراتيجيات التحول الرقمي جعلتها منصة لتعزيز الحضور الصيني في المنطقة، فيما باتت التكنولوجيا أداة جيوسياسية تستخدمها القوتان العظميان، الولايات المتحدة والصين، لتحقيق التوازن والتأثير الإقليمي.
ورغم نجاحها المحلي، تواجه “هواوي” فجوة تقنية واضحة مع الغرب، خاصة في تصنيع الشرائح الدقيقة (3 نانومتر) مقارنة بشريحتيها الحالية 7 نانومتر، وتعتمد على معدات ASML الهولندية.
وقد أعلنت الحكومة الصينية التزامها بسد هذه الفجوة بغض النظر عن التكلفة، معتبرة الأمر قضية أمن قومي واستراتيجية حيوية.
التقديرات تشير إلى أن تصنيع الشرائح محلياً يزيد التكاليف بنسبة تتراوح بين 20 و35%، مع انخفاض العوائد بين 40 و50% مقارنة بمنافسيها العالميين، ما يمثل تحدياً حقيقياً في تحقيق استقلالية كاملة، خاصة مع سقف إنتاج محدود قدره 200 ألف رقاقة ذكاء اصطناعي في 2025 مقابل ملايين الوحدات عالمياً.
الشركات الصينية.. قدرة التكيف أمام العقوبات
تجربة “هواوي” تمثل نموذجاً لقدرة الشركات الصينية الكبرى على التكيف أمام العقوبات الأمريكية، من خلال تنويع الإيرادات والأسواق وتوجيه النشاط نحو السوق المحلية والأسواق الصديقة بعيداً عن الضغط الغربي.
كما يلعب دعم الدولة والحوافز الحكومية دوراً مهماً في التكيف، وذلك من خلال التسهيلات المالية والإعفاءات الضريبية، وتسهيل الوصول إلى الموارد التقنية، إضافةً إلى قدرة الشركات على الابتكار المحلي وتطوير أنظمة تشغيل ومعالجات محلية، وبناء منظومة بيئية متكاملة.
ويُضاف ذلك إلى الاستقلالية التدريجية للشركات والحد من الاعتماد على الموردين الغربيين وتهيئة بدائل محلية في الهواتف والشرائح والحوسبة السحابية.
لكن النجاح يعتمد على مزايا خاصة بالصين، مثل سوق محلي ضخم، ودعم حكومي قوي، وبنية تصنيع وطنية متقدمة، مما يجعل من الصعب تكرار تجربة “هواوي” عالمياً بنفس المستوى، حتى مع الدعم الحكومي الكبير.
ويُنظَر بعد خمس سنوات من العقوبات الأمريكية، إلى أن “هواوي” نجحت في تحقيق صمود استثنائي، مع تحديات كبيرة على الصعيد الدولي، فقدرتها على الابتكار والتكيف تعكس مرونة الشركات الصينية الكبرى، لكن القيود التقنية والسياسية الغربية ما زالت تحد من نفوذها العالمي، خصوصاً في الأسواق الغربية، وتثبت التجربة أن الابتكار والتنويع والدعم الاستراتيجي يمكن أن يضمنوا النجاة في أوقات الأزمات، لكنها تبقى نموذجاً صعب الاستنساخ عالمياً.


