طفرة تاريخية في أجور ناقلات النفط… الشرق الأوسط يستعيد مركز الثقل التجاري بعد العقوبات على الخام الروسي

أخبار الشحن | بقش
تعيش سوق النقل البحري للنفط واحدة من أكثر موجاتها صخباً منذ أزمة الجائحة، بعد أن ارتفعت تعرفة استئجار ناقلات النفط العملاقة إلى مستويات لم تُسجَّل منذ عام 2020. ومع دخول العقوبات الأمريكية على صادرات “روسنفت” و“لوك أويل” حيّز التنفيذ، تحوّل المشترون في آسيا إلى الشرق الأوسط والولايات المتحدة بحثاً عن بدائل مستقرة، ما خلق ضغطاً هائلاً على أسطول الناقلات وأشعل أسعار الشحن.
هذا التحول السريع في مسارات التجارة يحمل دلالات أبعد من مجرد ارتفاع مؤقت في التكلفة؛ فهو يعكس إعادة رسم واسعة لخريطة تدفقات النفط العالمية، ويؤكد أن الشرق الأوسط يستعيد مرة أخرى دوره كمزوّد رئيسي في لحظة اضطراب جيوسياسي واقتصادي.
قفزة غير مسبوقة في أسعار النقل… 137 ألف دولار في اليوم
قفزت تكلفة استئجار ناقلات VLCC –القادرة على حمل مليوني برميل– على مسار الشرق الأوسط–الصين إلى نحو 137 ألف دولار يومياً بنهاية الأسبوع الماضي حسب اطلاع بقش، بزيادة سنوية ضخمة بلغت 576%. وهو أعلى مستوى منذ أبريل 2020، متجاوزةً حتى الذروة التي سُجلت قبل أسبوعين فقط.
ووفق تتبُّع بقش، ترافق ذلك مع صعود المؤشر الأوسع لأسعار عموم الناقلات إلى 116400 دولار يومياً، في أعلى قراءة خلال خمس سنوات، ما يعكس ضغطاً كبيراً على الطاقة الاستيعابية في سوق النقل البحري.
هذه القفزة توضح أن الاضطراب في الإمدادات الروسية فتح شهية الأسواق على النفط القادم من الخليج، وهو ما يضع الناقلات العملاقة في قلب حركة تجارية نشطة لم تشهدها منذ سنوات.
مع دخول العقوبات الأمريكية على صادرات “روسنفت” و“لوك أويل” حيّز التنفيذ، بدأ المشترون –وخاصة في الهند والصين– في إعادة ترتيب سلاسل توريدهم سريعاً. ومع تراجع قدرة موسكو على التحايل على القيود، أصبح اللجوء إلى النفط الشرق أوسطي خياراً تشغيلياً وليس مجرد بديل مؤقت.
وبحسب مذكرة تحليلية صادرة عن “جيفريز”، فإن ارتفاع إنتاج الولايات المتحدة ودول “أوبك+”، وخصوصاً المنتجين الخليجيين، ساهم في توفير بدائل جاهزة للمشترين القلقين من تعقيدات الشحن الروسي الخاضع للعقوبات.
وتُظهر البيانات أن نحو 12 ناقلة عملاقة تم حجزها خلال الأسبوع الماضي لشحنات تُنفَّذ في أواخر نوفمبر وديسمبر، وهو معدل مرتفع يعكس اتساع التحول من الخام الروسي إلى الشرق الأوسط.
الناقلات الأصغر تدخل السباق… وسوق الشحن تعيد ترتيب أدواتها
لم تقتصر المكاسب على ناقلات VLCC، إذ استفادت الناقلات الأصغر مثل سويزماكس من هذا الزخم، بعد انتقال بعضها للعمل على خطوط كانت مخصصة عادةً للعملاق الأكبر حجماً، وفق تحليل “فورتكسا”.
وتشهد السوق كذلك تحوّلاً لافتاً في أنماط التشغيل حسب تناولات بقش، إذ جرى تسجيل رقم قياسي في عدد الناقلات المخصّصة أساساً للمنتجات المكررة –كالديزل ووقود الطائرات– التي تحولت إلى نقل النفط الخام بهدف الاستفادة من العوائد المرتفعة. هذا التغيير يعكس حالة الاستقطاب الشديدة في سوق الشحن، حيث يجري توجيه كل طن متاح من السعة نحو خام الشرق الأوسط.
الهجرة الواسعة بين الفئات المختلفة للناقلات تبرز حجم الأرباح الممكنة حالياً، وتؤكد أن السوق تتعامل مع ندرة حقيقية في القدرة الشاحنة، وليس مجرد ارتفاع ظرفي في الطلب.
ما يحدث اليوم في قطاع الناقلات ليس مجرد موجة عابرة، بل إعادة ضبط واسعة لتوازنات الإمداد، تزامناً مع عودة الشرق الأوسط كمحور رئيسي للنفط المتجه إلى آسيا.
وإذا استمرت العقوبات على روسيا، بينما يظل إنتاج “أوبك+” مستقراً عند مستوياته الحالية، فإن أسعار النقل قد تبقى مرتفعة لفترة تمتد إلى مطلع 2026، وهو ما سيضع ضغوطاً إضافية على تكاليف الواردات في آسيا، ويؤثر على هوامش المصافي العالمية.
أما شركات الشحن، فهي تقف أمام واحدة من أكثر الفترات ربحية منذ سنوات، مدفوعة بانحسار بدائل الخام الروسي وعودة الثقل التجاري نحو الخليج.


