
الاقتصاد العالمي | بقش
تواجه أسواق الطاقة العالمية واحدة من أكثر أزماتها حساسية منذ سنوات، مع استمرار تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما نتج عنها من تعطّل لحركة الملاحة في مضيق هرمز، حيث دفعت هذه التطورات كبار المنتجين وشركات الطاقة إلى اتخاذ إجراءات طارئة، وسط تحذيرات متزايدة من تداعيات واسعة قد تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
وتشير متابعات مرصد “بقش” إلى أن السعودية خفضت إنتاجها النفطي بما يتراوح بين 2 و2.5 مليون برميل، فيما خفضت الإمارات إنتاجها بما يصل إلى 800 ألف برميل، والكويت بنصف مليون برميل يومياً، ويعكس هذا التقلص الجماعي في المعروض النفطي حجم الاضطرابات التشغيلية واللوجستية التي تضرب المنطقة. وبالتزامن، أعلنت شركات نفط عالمية عملاقة عن إجلاء الموظفين غير الأساسيين من عملياتها في الشرق الأوسط وتقليص الأنشطة التشغيلية لضبط مستويات المخزون، وعلى رأسها شركة الطاقة الأمريكية “إكسون موبيل”.
في هذا السياق، حذرت شركة أرامكو السعودية، وهي أكبر مصدّر للنفط في العالم، من أن استمرار تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز قد يقود إلى عواقب “كارثية” على أسواق النفط الدولية. “أمين الناصر”، الرئيس التنفيذي للشركة، قال إن الأزمة الحالية تمثل أكبر اضطراب يواجهه قطاع النفط والغاز في المنطقة على الإطلاق، متجاوزة كل الأزمات السابقة بفارق كبير.
وأوضح الناصر أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى تداعيات خطيرة تتجاوز قطاع الطاقة، إذ قد تمتد تأثيراته إلى مجموعة واسعة من القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك الشحن والتأمين والطيران والزراعة وصناعة السيارات، وكلما طال أمد الأزمة زادت حدة تأثيرها على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.
تأتي هذه التحذيرات في وقت أعلنت فيه إيران، عبر الحرس الثوري، أنها لن تسمح بمرور “لتر واحد من النفط” من الشرق الأوسط إذا استمرت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، وهو تهديد أدى فعلياً إلى عرقلة شحنات النفط ومنع مرورها عبر المضيق الحيوي الذي تمر عبره نحو 20% من الإمدادات النفطية العالمية يومياً.
في المقابل، حذر ترامب من أن الولايات المتحدة ستوجّه ضربات أشد لإيران إذا حاولت تعطيل صادرات النفط من الشرق الأوسط، رغم توقعه أن تنتهي الحرب في وقت قريب، كما قال إن البحرية الأمريكية يمكن أن ترافق السفن التجارية في الخليج لضمان عبورها بأمان، إلا أن قدرة البحرية على تنفيذ هذه المهمة على نطاق واسع لا تزال غير واضحة ويتم التشكيك فيها من قِبل صناعة الشحن والنفط حسب تتبُّع بقش، خصوصاً مع انشغال بعض سفن البحرية الأمريكية بتنفيذ ضربات عسكرية ضد أهداف إيرانية واعتراض الصواريخ.
توقف الصادرات من الخليج
أحد أبرز تداعيات الأزمة يتمثل في توقف صادرات النفط من الخليج إلى حد كبير. أعلن الناصر أن أرامكو السعودية أوقفت تصدير النفط عبر الخليج مؤقتاً بسبب عدم القدرة على تحميل الشحنات على السفن في ظل توقف حركة الملاحة. وفي محاولة لتلبية التزاماتها التعاقدية مع العملاء، لجأت أرامكو إلى استخدام مخزوناتها العالمية لتغطية الطلب، إلا أن الناصر أكد أن هذه المخزونات لا يمكن الاعتماد عليها لفترة طويلة، واعتَبر أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى تسارع وتيرة انخفاض المخزونات العالمية التي وصلت بالفعل إلى أدنى مستوياتها في خمس سنوات.
كما شدد على أن إعادة فتح المضيق واستئناف حركة الملاحة فيه أمر بالغ الأهمية للحفاظ على استقرار السوق النفطية، خصوصاً أن معظم الطاقة الإنتاجية الفائضة في العالم تتركز في منطقة الخليج، ما يعني أن أي اضطراب طويل الأمد قد يؤدي إلى خلل كبير في توازن العرض والطلب.
ولمواجهة هذه الظروف، تعمل أرامكو على زيادة الاعتماد على خط أنابيب الشرق–الغرب الذي ينقل النفط الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر حسب تقارير بقش، ويُتوقع أن يصل الخط إلى طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً خلال اليومين المقبلين بعد إعادة توجيه الشحنات إلى هذا المسار.
ورغم ذلك، لا تكفي هذه القدرة لتعويض الإمدادات التي كانت تمر عبر مضيق هرمز، إذ قد يؤدي استمرار الأزمة إلى سحب نحو 350 مليون برميل من النفط الخام من السوق العالمية.
أشار الناصر أيضاً إلى إمكانية توجيه جزء من الإنتاج إلى السوق المحلية، موضحاً أن نحو مليوني برميل يومياً من طاقة خط الأنابيب الحالية يتم توجيهها إلى مصافي التكرير في غرب السعودية، والتي تعد مصدّراً صافياً للمنتجات النفطية. وفي تطور آخر، كشف الناصر أن حريقاً صغيراً اندلع الأسبوع الماضي في مصفاة رأس تنورة، أكبر مصفاة نفطية في السعودية، إلا أنه تم احتواؤه بسرعة، وتعمل المنشأة حالياً على استعادة نشاطها التدريجي.
وانعكست هذه التوترات بشكل مباشر على أسعار النفط العالمية، فقد ارتفع خام برنت القياسي إلى ما يقارب 120 دولاراً للبرميل يوم أمس الإثنين، وهو أعلى مستوى له منذ 2022، قبل أن يتراجع إلى نحو 93 دولاراً بعد تصريحات ترامب التي توقّع فيها انتهاء الحرب قريباً.
نتائج مالية متراجعة لأرامكو
بالتزامن مع هذه التطورات الجيوسياسية، أعلنت أرامكو عن نتائجها المالية لعام 2025، والتي أظهرت تراجعاً في الأرباح السنوية بنسبة 12% نتيجة انخفاض أسعار النفط الخام، وبلغ صافي الدخل نحو 93.4 مليار دولار، وهو أقل من تقديرات مجموعة بورصات لندن التي توقعت وصوله إلى 95.6 مليار دولار.
كما تراجع صافي الربح في الربع الرابع من العام الماضي بنسبة 20.5% ليصل إلى نحو 17.8 مليار دولار حسب قراءة بقش، وذلك بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل، لتسجل الشركة بذلك انخفاضاً سنوياً في الأرباح للربع الثاني عشر على التوالي.
وسجلت الشركة أيضاً انخفاضاً في قيمة بعض مرافق التكرير المحلية والدولية بنحو 14.6 مليار ريال (3.88 مليار دولار) نتيجة تعديل توقعات التدفقات النقدية في ظل التغيرات في ظروف السوق. كما تكبدت خسارة إضافية قدرها 4.45 مليار ريال مرتبطة بشكل رئيسي بإغلاق منشأة تكرير دولية.
ورغم تراجع الأرباح، أعلنت أرامكو إطلاق أول برنامج لإعادة شراء الأسهم في تاريخها بقيمة تصل إلى ثلاثة مليارات دولار، سيتم تنفيذه على مدى 18 شهراً، ووفقاً للمدير المالي للشركة زياد المرشد، فإن الأسهم التي ستشتريها الشركة ستُعاد لاحقاً إلى السوق عبر بيعها لموظفيها.
ووفق اطلاع بقش على بيانات أسواق الخليج، انخفض سهم أرامكو بنحو 1.2% خلال جلسة التداول يوم الثلاثاء، قبل أن يقلص جزءاً من خسائره لاحقاً، في وقت تواصل فيه الشركة محاولة موازنة ضغوط السوق وتقلبات الأسعار مع الحفاظ على ثقة المستثمرين.
ضغط على الشركات الكبرى
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على أرامكو والشركات النفطية الخليجية وحدها، إذ أعلنت شركة “إكسون موبيل” الأمريكية العملاقة أنها أجلت موظفين غير أساسيين من عملياتها في الشرق الأوسط وقلّصت بعض أنشطتها التشغيلية بسبب اضطراب حركة الملاحة وصعوبة إدارة المخزونات، وقالت الشركة إن تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز جعل إدارة مستويات المخزون أكثر تعقيداً، ما اضطرها إلى تقليص بعض العمليات مؤقتاً حتى تتضح صورة سلاسل الإمداد.
وتشير تقديرات محللين في شركة جيفريز إلى أن نحو 20% من إنتاج “إكسون موبيل” من النفط والغاز يقع في الشرق الأوسط، وتقدر بيانات أخرى أن نحو 60% من أعمال الغاز الطبيعي المسال للشركة تتركز في المنطقة، ما يجعلها شديدة التأثر بأي اضطرابات في الخليج.
وأمام هذه التطورات، تبدو أسواق الطاقة العالمية أمام اختبار صعب، إذ يهدد استمرار إغلاق مضيق هرمز بتقليص الإمدادات العالمية ورفع الأسعار وإرباك سلاسل الإمداد الدولية، ويحذر مسؤولون وخبراء في قطاع الطاقة من أن الحل الحقيقي للأزمة لا يكمن في الإجراءات العسكرية أو المرافقة البحرية للسفن كما تقول أمريكا، إنما في إنهاء الحرب وإعادة فتح المضيق أمام حركة التجارة، لتلافي واحدة من أخطر صدمات الطاقة في التاريخ الحديث.


