
الاقتصاد العالمي | بقش
في تقرير جديد اطلع عليه مرصد “بقش”، أكد البنك الدولي على فجوة مستمرة في تمويل قطاع الرعاية الصحية في البلدان منخفضة الدخل والشريحة الدنيا من البلدان المتوسطة الدخل، رغم الجهود المبذولة للحفاظ على مستويات الإنفاق الصحي تحت ضغوط مالية متزايدة.
التقرير، الذي صدر بعنوان “عند مفترق طرق: آفاق التمويل الحكومي للرعاية الصحية في ظل تراجع المعونة”, يشير إلى أن الاستثمارات الحالية لا تفي بالحد الأدنى اللازم لتقديم خدمات صحية أساسية، ما ينعكس سلباً على إنقاذ الأرواح، وتوفير فرص العمل، وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام.
ووفق قراءة بقش، بلغ متوسط الإنفاق الحكومي والتمويل المقدم من المانحين على الصحة في عام 2024 نحو 17 دولاراً فقط للفرد الواحد في البلدان منخفضة الدخل، وهو ما يمثل أقل من ثلث الحد الأدنى المقدر بـ60 دولاراً لتقديم حزمة أساسية من الخدمات الصحية الضرورية. أما في الشريحة الدنيا من البلدان المتوسطة الدخل، فقد سجل الإنفاق نحو 47 دولاراً للفرد، أي أقل بقليل من نصف الحد الأدنى المرجعي المقدر بـ90 دولاراً.
ويؤكد التقرير أن الإنفاق الصحي ظل ثابتاً بالقيمة الحقيقية منذ عام 2018، رغم تزايد الاحتياجات المتنامية. ويرى الخبراء أن هذه الوضعية لها تداعيات خطيرة على النظام الصحي، حيث يؤدي انخفاض الاستثمار إلى تقليص عدد زيارات رعاية الحوامل قبل الولادة، والحد من الحصول على اللقاحات، ونقص الكوادر الصحية الميدانية، وافتقار العيادات الصحية للموارد الأساسية. وتتعرض الفئات الأكثر فقراً وحاجة لهذه التأثيرات بشكل أكبر، إذ يُجبر الكثيرون على دفع تكاليف الخدمات الصحية من أموالهم الخاصة أو التخلي عن الرعاية الصحية، ما يزيد من الفقر ويحد من فرصهم في الحصول على عمل لائق.
وفي تعليقها على نتائج التقرير، قالت مامتا مورثي، نائب الرئيس لشؤون الناس في مجموعة البنك الدولي: “هذا التقرير يذكّرنا بأن إحراز تقدم ملموس في قطاع الصحة يتطلب التزاماً مستمراً وتعاوناً وثيقاً، ومن أجل تقديم الخدمات الصحية الأساسية لما يقرب من 1.5 مليار شخص إضافي بحلول عام 2030، هناك حاجة لاستثمارات أكثر ذكاءً، وزيادة التمويل المحلي، وتعميق الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص وشركاء التنمية”.
ويشير التقرير إلى أن البلدان منخفضة الدخل والشريحة الدنيا من البلدان المتوسطة ستواجه تحديات متزايدة خلال السنوات الخمس المقبلة، مع توقع انخفاض المساعدات الإنمائية المخصصة لقطاع الصحة. وبينما يُتوقع ارتفاع الإنفاق الحكومي على الصحة في ثلثي هذه البلدان، فإن التراجع الحاد في المساعدات الإنمائية سيؤدي إلى انخفاض إجمالي الموارد المتاحة. وبحلول عام 2030، من المتوقع أن ينخفض إجمالي الإنفاق الحكومي والتمويل المقدم من المانحين في أكثر من 80% من البلدان منخفضة الدخل، و40% من الشريحة الدنيا من البلدان المتوسطة، مقارنة بعام 2024.
كما تواجه البلدان اليوم مفترق طرق حقيقي في سعيها لضمان إمكانية حصول الجميع على خدمات صحية عالية الجودة وميسورة التكلفة، وأمامها فرصة لإجراء إصلاحات جريئة لإعادة تشكيل أنظمة الرعاية الصحية بشكل جذري.
ولتحقيق ذلك، يقترح البنك ثلاث أولويات رئيسية، الأولى رفع كفاءة استخدام الموارد المالية المتاحة: يمكن تحقيق نتائج أفضل ضمن مستوى الإنفاق الحكومي الحالي من خلال تركيز الجهود على الرعاية الصحية الأولية عالية الأثر، وتحسين تنفيذ الموازنة العامة للقطاع، ومواءمة ما تبقى من مساعدات المانحين مع الأولويات الوطنية.
والأولوية الثانية هي زيادة مخصصات قطاع الصحة في الموازنة العامة: حيث يوجد حيز مالي في ميزانية بلد واحد من بين كل ثلاثة بلدان يمكن توجيهه لتعزيز الأولوية الصحية ضمن الموازنات الحالية.
أما الثالثة فتوسيع الحيز المالي من خلال إصلاحات واسعة النطاق على صعيد المالية العامة والاقتصاد الكلي: يشمل ذلك تعزيز النمو الاقتصادي، وتعبئة الإيرادات المحلية، وإعادة توجيه الإنفاق بعيداً عن الدعم غير الفعال، ما يسمح بتكريس مزيد من الموارد للأولويات الإنمائية، بما فيها الرعاية الصحية.
ويُعد تقرير “عند مفترق طرق” أول إصدار ضمن سلسلة سنوية بعنوان “الموارد الحكومية والتوقعات الخاصة بالرعاية الصحية”، التي تتعقب الإنفاق الحكومي على قطاع الصحة في البلدان منخفضة الدخل والشريحة الدنيا من البلدان المتوسطة، بهدف مساعدة هذه الدول على تعديل مسارها وضمان إحراز تقدم ملموس نحو تعزيز الخدمات الصحية لجميع المواطنين.


