الاقتصاد اليمني
أخر الأخبار

قراءة أولية في المصالح والنفوذ.. هل تنسحب الإمارات من اليمن بالفعل؟

الاقتصاد اليمني | بقش

في آخر التطورات بشأن خروج الإمارات من اليمن بناءً على مطالبة رئيس المجلس الرئاسي بتأييد سعودي، انتهت مهلة الـ24 ساعة، ونشرت وسائل إعلام أن القوات الإماراتية فككت بعض المواقع وبدأت بسحب أفرادها من اليمن، وأن بعض المعسكرات في حضرموت التي كان يتواجد فيها الإماراتيون تم فيها تفكيك بعض الأجهزة والمعدات الخاصة بهم، لكن دون تحديد ما إذا كان الإماراتيون قد خرجوا أم فقط يجهزون المعدات للانتقال.

يُنظر حالياً إلى أن القوة الانفصالية التي دخلت حضرموت والمهرة، وتسببت في كل هذه الأزمة غير المسبوقة، لا يُعرف ما إذا كانت ستنسحب بالفعل وكلياً وتسلّم مواقعها إلى قوات “درع الوطن” المدعومة سعودياً أم لا، في الوقت الذي رفض فيه المجلس الانتقالي إقصاءه من المعادلة وتهميش دور الإمارات التي تدعمه، إضافةً إلى كونها داعمة لقوات العميد طارق صالح الذي استحوذ على مدينة المخا غربي البلاد.

انسحاب محدود

الإمارات أعلنت رسمياً عبر وزارة دفاعها عن إنهاء وجود فرقها المتبقية في اليمن، التي وصفتها بأنها “فرق مكافحة الإرهاب”، وقالت إن هذا الانسحاب جاء بعد تقييم شامل للمرحلة.

هذا الإعلان جاء عقب التوتر غير المسبوق مع السعودية. وعلى الورق، يبدو الانسحاب كاملاً، لكنه في الواقع محدود جداً وفق متابعة “بقش”، ويركز على إنهاء الحضور المباشر فقط، فيما يظل النفوذ الإماراتي موجوداً عبر عناصر غير معلنة مثل المستشارين العسكريين وضباط الارتباط، إلى جانب الدعم الاستخباري المتواصل مع حلفائها المحليين، مثل المجلس الانتقالي، والنخبة الحضرمية، وقوات دفاع شبوة.

محافظ حضرموت “سالم الخنبشي” قال اليوم الأربعاء في تصريحات تابعها بقش للشرق الأوسط، إن القوات التابعة للإمارات بدأت فعلياً الانسحاب من المواقع التي كانت تتمركز فيها سواء في حضرموت أو شبوة، ودعا أبناء المحافظة المنخرطين مع المجلس الانتقالي، وقوات الدعم الأمني، إلى العودة لمنازلهم أو الالتحاق بقوات “درع الوطن”.

أشار الخنبشي إلى أن صفارات الإنذار دوَّت، مساء الثلاثاء، بمطار الريان في حضرموت، تمهيداً لسحب القوات الإماراتية الموجودة هناك، وأن قوات أخرى انسحبت أيضاً من بلحاف في شبوة. وحسب تصريحاته فإن للإمارات وجوداً محدوداً في منطقتي الربوة والضبة بحضرموت بأعداد قليلة، ويقتصر على خبراء وقادة يتولون الإشراف على قوات الدعم الأمني التابعة للمجلس الانتقالي.

أما القوات الإماراتية في محافظة شبوة، وتحديداً في معسكر مُرَّة، فبدأت يوم الثلاثاء فعلياً تفكيك أجهزة الاتصالات، في إطار استعدادها لمغادرة البلاد.

وقال الخنبشي إن الحل الوحيد لإنهاء الأزمة الحالية يتمثل في انسحاب جميع قوات المجلس الانتقالي من محافظتي حضرموت والمهرة بشكلٍ سلمي، وأضاف: “الباب ما زال مفتوحاً، ونتمنى أن يستغل الإخوة في الانتقالي هذه الفرصة لتجنيب أنفسهم وحضرموت وكل البلاد أي اقتتال أو مواجهة عسكرية، وأن يعودوا من حيث أتوا، وبعدها يمكن الدخول في حوار سياسي حول أي تشكيل مستقبلي، ولكن من دون فرض أمر واقع بالقوة”.

رغم ذلك، يتم الحديث حالياً عن أن الانسحاب ربما يكون خطوة شكلية لتخفيف الضغوط السياسية والإعلامية، وليس انسحاباً استراتيجياً حقيقياً وكاملاً يُنهي النفوذ الإماراتي في الأرض.

فقد أثار الانسحاب الإماراتي المعلَن جدلاً واسعاً حول مستقبل مشروع الانفصال الذي يقوده المجلس الانتقالي، والمحافظتان الأساسيتان، حضرموت والمهرة، تشكلان نصف مساحة البلاد تقريباً، وتمثل السيطرة عليهما شرطاً أساسياً لأي محاولة لتأسيس ما تسمى “دولة الجنوب العربي”.

المحللون السياسيون يرون أن أي انسحاب فعلي للمجلس الانتقالي من هاتين المحافظتين، تحت ضغط سياسي أو عسكري، سيجعل من الصعب المضي قدماً في مشروع الانفصال، بينما يتيح للمجلس الرئاسي ومكوناته الداعمة استعادة معاقل استراتيجية هامة.

مع ذلك فإن تصريحات مسؤولين محسوبين على الانتقالي، أظهرت رفضاً تاماً لأي انسحاب، مؤكدين الدفاع عن المواقع الحيوية.

وحتى الآن، لا توجد مؤشرات على تنازل حقيقي، إذ إن السيطرة الميدانية للانتقالي في حضرموت والمهرة مستمرة، رغم الضغوط المتزايدة من القوات الموالية للمجلس الرئاسي، والضربات الجوية السعودية التي استهدفت شحنة الأسلحة القادمة من ميناء الفجيرة الإماراتي إلى ميناء المكلا لدعم الانتقالي.

وفيما دعت دول مثل سلطنة عمان والكويت والأردن وقطر والجامعة العربية إلى بقاء اليمن دولة موحدة، مؤيدةً بذلك الموقف السعودي، لم تتخذ الولايات المتحدة، التي تتشارك مع الإمارات الرؤية، موقفاً واضحًا في البداية، فيما اعتبرت بروكسل أن المواجهة في جنوب البلاد قد تُدخل قوات التحالف في معركة استنزاف، وتحيد بالجهود لمواجهة الحوثيين.

ومنذ سنوات، طُرحت العديد من علامات الاستفهام حول المصالح الإماراتية في اليمن، أو عما إذا ما كانت أبوظبي، التي تقول إن لا نوايا استعمارية لديها، قد استغلت “الانشغال السعودي” مع حكومة صنعاء لتعزيز سيطرتها، منها السيطرة على الساحل الغربي، وجزيرة ميون التي تعدّ محطة تموين السفن بالفحم في مضيق باب المندب الذي يمر عبره نحو 30% من نفط العالم، إضافةً إلى مدينة ذوباب، وميناء المخا بقيادة طارق صالح، ناهيك عن جزيرة سقطرى، التي يشار إلى أنها أبرز مثال على الطموحات الإماراتية.

المصالح الإماراتية في حضرموت والمهرة

حضرموت والمهرة ليستا مجرد مناطق نفوذ محلية، بل تمثلان ركائز استراتيجية واقتصادية، إذ تضم حضرموت حوض المسيلة النفطي، أكبر مناطق إنتاج الهيدروكربونات في اليمن، بينما تمثل المحافظتان الجسر البري واللوجستي الرئيسي بين ساحل بحر العرب والصحراء الشرقية، وصولاً إلى جنوب السعودية.

والوجود الإماراتي هنا يخدم عدة أهداف، فمن الناحية الاقتصادية تمثل السيطرة تأميناً لإيرادات النفط والغاز، وإعادة توجيه الموارد لتوفير استقلال مالي للقوى الانفصالية، ومن الناحية اللوجستية والعسكرية، توفر السيطرة على المحافظتين العمق البري الضروري للتحكم في عدن وشبوة والمكلا والمناطق الحيوية الأخرى.

وسياسياً، الضغط على حكومة عدن وفرض نفوذ الإمارات عبر الوكلاء المحليين، مع إبقاء المجال مفتوحًا لمشاريع طويلة الأمد مثل تقرير مصير الجنوب.

الورقة الأكبر.. ماذا عن سقطرى والجزر اليمنية؟

أرخبيل سقطرى يمثل حجر الزاوية في الاستراتيجية الإماراتية البحرية، فهو نقطة بحرية متقدمة تسمح بالتواجد -إن لم يكن السيطرة- في ممرات بحرية حيوية: بحر العرب، خليج عدن، ومضيق باب المندب.

المشاريع والنفوذ المترسخ للإمارات في سقطرى والجزر اليمنية يجعل السؤال ملحاً: هل تنسحب الإمارات بالفعل من اليمن وبالصورة التي روّج لها الإعلام؟

سقطرى تمنح الإمارات العين البحرية المتقدمة لمراقبة حركة الملاحة الدولية، وفرض النفوذ البحري، وفق تناولات بقش.

وبالتعاون مع إسرائيل (مشروع Crystal Ball)، أنشأت الإمارات قاعدة عسكرية ومطارات للطائرات الثقيلة وطائرات الاستطلاع والطائرات المسيّرة، لدعم السيطرة على الممرات البحرية ومراقبة الحوثيين.

كما سيطرت الإمارات على الموارد والخدمات في الجزيرة، مثل مطار سقطرى الدولي، الكهرباء، والوقود الذي يُباع لمواطني سقطرى وفقاً للدرهم الإماراتي ويتم احتكاره بصورة أرهقت المواطنين في حياتهم المعيشية المتدهورة.

كما عززت الإمارات استراتيجية النفوذ الناعم والاقتصادي، إذ يتم استبدال العمالة المحلية بعاملين تابعين للشركات الإماراتية، وفرض أسعار مرتفعة على الخدمات الأساسية.

لذا تُعد سقطرى عموداً فقرياً للنفوذ البحري الإماراتي في جنوب اليمن، وتكملها السيطرة على حضرموت والمهرة لضمان السيطرة الكاملة على الملاحة.

وثمة شراكة إقليمية ودولية في سقطرى، فالتحالف الإماراتي الإسرائيلي الأمريكي في الجزيرة اليمنية والجزر المحيطة يوضح أن التحرك الإماراتي ليس مجرد نزاع محلي على النفوذ، بل استراتيجية إقليمية واسعة.

إذ تزوّد إسرائيل الإمارات بتقنيات متقدمة، مثل الطائرات المسيّرة والرادارات والتقنيات الاستخبارات الحديثة، مقابل الحصول على موطئ قدم استراتيجي في الموانئ والجزر القريبة من مضيق باب المندب.

وهذا التعاون يضمن مراقبة الملاحة الدولية، خصوصاً حركة الشحن النفطي، ويتيح لإسرائيل والإمارات فرض النفوذ في المنطقة دون انخراط مباشر مع القوى الانفصالية.

ووفق التقديرات الإسرائيلية، أدى النفوذ الإماراتي في جنوب اليمن إلى أن يكون هذا الجنوب تحت سيطرة الإمارات بشكل أو بآخر، ما يجعل أي تحرك دبلوماسي مستقبلي مرهوناً بقدرة إسرائيل على الحفاظ على الثقة مع أبوظبي.

سيناريوهات الخروج

ثمة عدة احتمالات مطروحة في الوقت الحالي لما بعد الانسحاب المعلَن، أولُها أن يكون الانسحاب شكلياً ويبقى النفوذ الإماراتي قائماً من خلال الأطراف المحلية المدعومة من الدولة الخليجية، وكذلك من خلال الاستشارات الاستخبارية، ومساعي استمرار التحكم في الموارد البحرية والبرية.

وثاني السيناريوهات هو الانسحاب الجزئي مع ضغط على الانتقالي، وقد يؤدي إلى استعادة المواقع في حضرموت والمهرة، لكن مع بقاء سقطرى والجزر البحرية تحت سيطرة الإمارات، مما يُبقي على العمق البحري والاستراتيجي.

وثمة سيناريو أخير أقل احتمالاً، وهو الانسحاب الكامل مع تفكك النفوذ، ووفق قراءات بقش فإن هذا الاحتمال ضعيف نظراً لبناء الإمارات شبكة معقدة من الحلفاء المحليين والوجود الاقتصادي والعسكري الذي يصعب تفكيكه بسرعة.

حتى الآن لم تنسحب الإمارات فعلياً من اليمن، فالانسحاب المعلن يقتصر على خفض الحضور المباشر، بينما يبقى النفوذ قوياً عبر الأطراف المحلية والتحكم في الموارد البحرية والبرية.

وحتى إشعار آخر، يتطلب أي تحول حقيقي في السيطرة على الأرض أو النفوذ البحري إعادة ترتيب كامل للتحالفات الإقليمية والداخلية، وهو أمر معقد في ظل التشابك العسكري والسياسي والاقتصادي الموجود حالياً.

زر الذهاب إلى الأعلى