الاقتصاد اليمني
أخر الأخبار

كارثة الانهيار الصامت.. صرف الرواتب بالريال السعودي لأول مرة يفجّر أزمة جديدة

الاقتصاد اليمني | بقش

في مشهد غير مألوف أكَّد عمق الأزمة المالية بعدن ومناطق حكومة عدن المدعومة من السعودية، فتح صرفُ رواتب العسكريين بآلية جديدة تقوم على الدفع بالريال السعودي المجال واسعاً لشن انتقادات لاذعة للحكومة والسلطة النقدية ممثلةً ببنك عدن المركزي.

إذ بررت مصادر مصرفية هذا الإجراء بشح السيولة المستمر من العملة المحلية، إلا أنه وُصف بأنه لا يشكل حلاً مؤقتاً، بل مؤشر خطير على اختلال عميق في النظام النقدي، يكشف عن عمق أزمة السيولة الخانقة التي تضرب السوق. ويتساءل اقتصاديون وناشطون في عدن عن اختفاء أو إخفاء السيولة من السوق، بعد فترة قصيرة من تحسن نسبي شهدته البلاد لم ينعكس بالفعل على الأسعار.

ووفق معلومات “بقش”، تسلّم عسكريون رواتبهم بالريال السعودي وبلغ راتب شهرين نحو 230 ريالاً سعودياً. وعلى ذلك علّق الصحفي الاقتصادي “ماجد الداعري” بقوله ساخراً: “تستلم راتباً بالريال السعودي وأنت فرحان لأنك معتقد أن هذا لصالحك وأسوة بغيرك ممن يستلمون مرتبات بالدولار والسعودي، لكنك تكتشف أنك مخطئ عندما تذهب للصرف ولا تجد من يصرف لك، وعندما تذهب لتشتري فلا تجد من يبيعك، وإذا وجدت من يصرف لك فلا يمكن أن يعطيك إلا سعر صرف أقل وعملة أبو 100 أو 200 ريال (من الطبعة الجديدة)”. ويضيف متسائلاً: “ماذا استفدت من استلام راتبك بالريال السعودي؟”.

غياب الشفافية: أول حالة إفلاس لبنك مركزي

أحد أخطر ملامح الأزمة يتمثل في الغياب شبه الكامل للتوضيح أو التدخل من قبل بنك عدن المركزي الذي لم يصدر حتى لحظة كتابة هذا التقرير تفسيراً واضحاً لاختفاء السيولة أو لجوء الجهات الرسمية إلى صرف الرواتب بعملة أجنبية.

ويُنظر إلى هذا الصمت بأنه يعمّق حالة الضبابية، ويعزز الحديث عن وجود خلل في إدارة الإيرادات العامة، خاصة مع تساؤلات متزايدة حول مدى التزام الجهات الحكومية بتوريد الإيرادات إلى بنك عدن المركزي كما نصت عليه قرارات الإصلاحات الحكومية الاقتصادية الشاملة.

ووفقاً للداعري فإن ما يحدث من صرف للرواتب بالريال السعودي يمثّل “أول حالة في العالم يفلس فيها بنك مركزي من عملته المحلية إلى حد صرف رواتب موظفي الدولة بعملة أجنبية”، واعتبر أن هذا التطور يعكس عجزاً غير مسبوق في إدارة السياسة النقدية، محذراً من تداعيات خطيرة قد تؤدي إلى فقدان السيطرة على سعر الصرف، وتصاعد المضاربات في سوق العملات.

وفي منشور آخر، شدد الداعري على أن صرف الرواتب بعملة أجنبية يمثل دليلاً على “فشل الدولة في تحصيل مواردها والوفاء بالتزاماتها”، ورأى أن ذلك قد يرقى إلى فقدان السيادة النقدية، إذ إن العملة المحلية تمثل أحد أهم مظاهر السيادة.

وتكشف المعطيات عن جانب أكثر خطورة في الأزمة، يتمثل في الحديث عن اختفاء أو إخفاء أكثر من ثلاثة تريليونات ريال من العملة المحلية الجديدة خارج الدورة النقدية، دون قدرة البنك المركزي على استعادتها أو ضخها في السوق حسب اطلاع بقش، ما يعكس خللاً هيكلياً في النظام المصرفي، ويطرح تساؤلات جدية حول دور بنك عدن المركزي في تنظيم السيولة، وإلزام البنوك والصرافين بإعادة الأموال إلى الدورة الاقتصادية، أو اتخاذ إجراءات رقابية صارمة بحق المخالفين.

اقتصاد بلا بوصلة: تضخم وغلاء متصاعد

بالتوازي مع أزمة السيولة، يشهد الشارع ارتفاعاً متسارعاً في الأسعار، نتيجة اختلال العرض النقدي وازدياد الاعتماد على العملات الأجنبية، فكلما تراجعت الثقة بالعملة المحلية ارتفعت الأسعار بشكل تلقائي، ما يفاقم معاناة المواطنين.

ويأتي ذلك في ظل غياب أي تدخل فعال لضبط السوق أو كبح المضاربات، ما يجعل الاقتصاد يسير في حالة من الفوضى النقدية، حيث تتحكم السوق السوداء في تحديد الأسعار وقيمة العملة.

وبالتزامن، يطرح تجار واقتصاديون حالياً مسألة حدوث موجة غلاء جديدة طالت السلع الغذائية والاستهلاكية الأساسية، بفعل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وإغلاق مضيق هرمز، مما أدى إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري.

وحسب تتبُّع بقش، تتركز حدة هذه الارتفاعات في مدن حكومة عدن مثل عدن وتعز، في حين لا يزال التجار يسعرون البضائع بسعر صرف يتراوح بين 650 و750 ريالاً مقابل الريال السعودي، متجاهلين السعر المعتمد رسمياً عند 410 ريالات لكل ريال سعودي.

هل هي محاولة لفرض الريال السعودي؟

أثارت خطوة صرف الرواتب بالريال السعودي تساؤلات سياسية واقتصادية عميقة، حول ما إذا كانت هذه الخطوة تمهد لفرض العملة السعودية في التعاملات، أو على الأقل تعزيز حضورها كبديل عملي عن العملة المحلية.

ويقول المحلل الاقتصادي “أحمد الحمادي” في تعليق لـ”بقش” إن مثل هذه التطورات قد تعكس شكلاً من أشكال الهيمنة الاقتصادية، التي تظهر عادة في الدول ذات الاقتصاد الهش، حيث تفقد الدولة تدريجياً سيطرتها على أدواتها النقدية.

ويضيف بقوله إن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى سلسلة من التداعيات الخطيرة، تبدأ بانهيار الثقة في العملة المحلية، وتمر بتصاعد التضخم، وقد تنتهي بأزمة مصرفية شاملة تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لافتاً إلى أن غياب المعالجات الجذرية قد يدفع مزيداً من التجار إلى التخلي عن الريال اليمني، والاعتماد على العملات الأجنبية، ما يسرّع من وتيرة الانهيار.

بالنتيجة، يُنظر إلى أزمة السيولة المستمرة بأنها انعكاس لأزمة أعمق في إدارة الاقتصاد والمالية العامة، وبين صمت بنك عدن المركزي وتصاعد تحذيرات الاقتصاديين، يعيش المواطن حالة من القلق والترقب في قلب مشهد اقتصادي ضبابي لا تتضح فيه ملامح الحل، ما يجعل البلاد أقرب إلى مواجهة أزمة شاملة وتداعيات أكثر قسوة في المرحلة المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى