أوروبا في امتحان الاستقلال العسكري الصعب.. واشنطن تدفع القارة لإنفاق تريليون دولار على الدفاع

الاقتصاد العالمي | بقش
يبدو أن القارة الأوروبية تشهد لحظة مفصلية في تاريخها الأمني والعسكري، مع تسارع غير مسبوق لإعادة بناء صناعاتها الدفاعية، في سباق تقدّر كلفتُه الإجمالية بنحو تريليون دولار، وسط تحولات استراتيجية عميقة في الموقف الأمريكي، وعودة التوتر السياسي مع واشنطن، ولا سيما بعد تبنّي الولايات المتحدة استراتيجيتها الدفاعية الأمريكية الجديدة، التي تعيد ترتيب أولويات الانتشار العسكري وتخفف الالتزامات المباشرة تجاه حلفائها في أوروبا.
وتتمحور العقيدة العسكرية الأمريكية الجديدة لعام 2026 حول مبدأ “السلام عبر القوة”، مع التركيز الحاد على الأمن الداخلي، وردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتقليص الالتزامات الخارجية. ووفق قراءة بقش، فإن هذه الاستراتيجية تُطالب الحلفاء بتحمل أعباء أمنية أكبر، وتتبنى نهجاً “أمريكا أولاً” من خلال تقديم دعم أمريكي أكثر محدودية، مع التركيز على الدفاع عن الأراضي الأمريكية.
وأبرز ملامح الاستراتيجية الدفاعية لعام 2026، هي أولوية الأمن الداخلي والصين، إذ تُعطي الاستراتيجية الأولوية لحماية الحدود، وترحيل المهاجرين، وردع التهديدات القادمة من الصين، مع وصف التهديد الروسي بأنه “مستمر لكنه قابل للاحتواء”.
وتطالب واشنطن الشركاء في أوروبا والناتو بتحمل مسؤولية أمنهم الذاتي، مع تقليص الدعم الأمريكي المباشر والتركيز على دعم أساسي ومحدود.
هذه التحولات لم تأتِ في فراغ، بل تزامنت مع تهديدات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، شملت التلويح بضم جزيرة جرينلاند، ما أعاد طرح سؤال ظل مؤجلاً لعقود داخل العواصم الأوروبية: هل تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها عسكرياً من دون المظلة الأمريكية؟
ليس الآن
وفق اطلاع “بقش” على تحليل موسّع نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، وتقاطعت معه آراء محللي دفاع ونواب في برلمانات أوروبية، فإن الإجابة الواقعية هي “نعم”، تستطيع أوروبا نظرياً، لكنها غير جاهزة عملياً في الوقت الراهن.
فالصناعة الدفاعية الأوروبية، التي عانت طويلاً من الركود والتفكك وتعدد المعايير، دخلت خلال السنوات الأخيرة في أسرع دورة إنتاج تشهدها منذ عقود.
مصانع الذخيرة، والطائرات المسيّرة، والدبابات، وأنظمة التسليح المختلفة تعمل اليوم بوتيرة متسارعة، مدفوعة بالحرب الروسية الأوكرانية، وبتصاعد المخاوف من تقلص الدور الأمريكي في القارة. لكن هذه الطفرة، على أهميتها، لا تعني اكتمال الاستقلال العسكري الأوروبي.
كلفة الانفصال عن واشنطن: تريليون دولار
يشير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن استبدال المعدات العسكرية الأمريكية المنتشرة في أوروبا، وتعويض الأفراد والقدرات الأمريكية، قد يكلف ما يقارب تريليون دولار، وهو رقم يكشف حجم التشابك العسكري بين ضفتي الأطلسي.
لا تزال أوروبا تعاني فجوات حاسمة في مجالات نوعية، أبرزها المقاتلات الشبحية، والصواريخ بعيدة المدى، وأنظمة الاستخبارات الفضائية المعتمدة على الأقمار الاصطناعية، والحوسبة السحابية العسكرية وإدارة بيانات ساحات القتال، وهي مجالات لا تزال الهيمنة الأمريكية فيها شبه مطلقة.
ويأتي هذا الحراك الأوروبي في أعقاب تبنّي واشنطن استراتيجيتها الدفاعية الأمريكية الجديدة، التي تعكس توجهاً متزايداً لإعادة نشر الأصول العسكرية الأمريكية باتجاه آسيا وأمريكا اللاتينية، وتقليص الالتزامات المباشرة في أوروبا.
هذا التحول، إلى جانب خطاب ترامب التصادمي مع الحلفاء، دفع الأوروبيين إلى إدراك أن الاعتماد الدائم على واشنطن لم يعد خياراً مضموناً.
وقد عبّر عن هذا القلق أندريوس كوبيليوس، مفوض الاتحاد الأوروبي المعني بإنعاش الصناعة الدفاعية، حين قال في منتدى دافوس الاقتصادي:
“إذا بدأ الأمريكيون تقليص وجودهم في أوروبا، فمن الطبيعي أن نبدأ التخطيط لبناء ما يمكن تسميته بالركيزة الأوروبية داخل حلف الناتو”.
وأوضح وفق تتبُّع بقش أن هذه الركيزة يجب أن تشمل حتى “العناصر الاستراتيجية المساعدة” مثل الأقمار الاصطناعية، التي تعتمد أوروبا حالياً على الولايات المتحدة في توفيرها.
جرينلاند وأوكرانيا: ناقوس الخطر
أعادت الخلافات بين أوروبا والبيت الأبيض حول أوكرانيا، ثم أزمة الاستحواذ الأمريكي على جزيرة جرينلاند، إلى الأذهان سيناريو لطالما اعتُبر مستبعداً، وهو إمكانية أن توقف واشنطن إمدادات السلاح، أو تمنع استخدام الأسلحة الأمريكية الموجودة بالفعل لدى الجيوش الأوروبية.
الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب لخّص هذه الهشاشة بوضوح حين قال في دافوس إن المقاتلات الأمريكية التي تمتلكها بلاده لا يمكنها التحليق على المدى الطويل دون قطع غيار وتحديثات أمريكية، مؤكداً أن بلاده مضطرة للثقة بواشنطن، لأن ذلك يخدم الطرفين.
ورغم التحديات، يشهد قطاع الصناعات الدفاعية الأوروبية تحولات لافتة، إذ أنفقت أوروبا خلال العام الماضي نحو 560 مليار دولار على الدفاع، أي ضعف إنفاقها قبل عشر سنوات حسب وول ستريت جورنال.
وبحلول عام 2035، من المتوقع أن يبلغ إنفاقها على المعدات العسكرية 80% من إنفاق وزارة الحرب الأمريكية، مقارنة بأقل من 30% في عام 2019.
افتتحت شركة Rheinmetall الألمانية أو شرعت في بناء 16 مصنعاً جديداً منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، وزادت شركة Leonardo الإيطالية عدد موظفيها بنحو 50% ليصل إلى 64 ألف موظف، ورفعت شركة MBDA إنتاج صواريخ “ميسترال” من 10 إلى 40 صاروخاً شهرياً، وضاعفت إنتاجها من الصواريخ المضادة للدبابات.
وفي بعض المجالات، تفوقت أوروبا على الولايات المتحدة، حيث إن Rheinmetall ستنتج قريباً 1.5 مليون قذيفة مدفعية عيار 155 ملم سنوياً، أكثر من إجمالي الإنتاج الأمريكي.
وتعتمد أوروبا على نفسها تقريباً في المركبات المدرعة، فدبابة Leopard الألمانية هي الأكثر انتشاراً عالمياً. كما أن القارة تصنع جميع سفنها وغواصاتها محلياً، وتتفوق في تصديرها عالمياً.
وتشير بيانات لافتة إلى أن بعض الدول الأوروبية بدأت فعلاً تفضيل السلاح المحلي، فبين 2020 و2024، جاءت 79% من واردات الدنمارك الدفاعية من الولايات المتحدة.
وفي عام 2025، ومع تصاعد ضغوط ترامب بشأن جرينلاند، أصبح أكثر من نصف مشتريات الدنمارك دفاعياً من داخل أوروبا، رغم نفي كوبنهاجن وجود قرار سياسي معلن بذلك.
اللحظة الفاصلة لم تأتِ بعد
رغم كل ما سبق، يُجمع خبراء على أن أوروبا لم تبلغ بعد نقطة الانفصال الاستراتيجي عن واشنطن.
الباحث بيتر ويزمان من معهد ستوكهولم لأبحاث السلام يرى أن “اللحظة التي تبتعد فيها أوروبا بوضوح عن الولايات المتحدة لم تحن بعد”.
ولا تزال مشكلات بنيوية تعرقل التسريع، أبرزها بطء الإنتاج في قطاع الطيران والفضاء، وتراكم طلبات تصنيع 220 مقاتلة “رافال” لدى شركة Dassault، مع وتيرة تسليم لا تتجاوز طائرتين شهرياً، إضافةً إلى تشتت الاستثمارات، حيث “كل دولة تريد دبابة خاصة وطائرة خاصة وسفينة خاصة”، كما وصفها الرئيس التنفيذي لشركة Leonardo.
وتقدّر وول ستريت جورنال أن أوروبا تحتاج ما لا يقل عن 10 سنوات لإنتاج مقاتلة شبحية محلية. ولا تزال تعتمد على المقاتلة الأمريكية F-35، ومنظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية بعيدة المدى، والأقمار الاصطناعية الأمريكية، وخدمات الحوسبة السحابية الأمريكية.
حتى أوكرانيا، التي نجحت في تقليص اعتمادها على واشنطن، لا تزال بحاجة ماسة إلى منظومات “باتريوت”، وتعاني نقصاً في صواريخ الاعتراض.
أوروبا دخلت بالفعل سباق إعادة بناء قوتها العسكرية، مدفوعة بالحرب الروسية، وتراجع الثقة بواشنطن، والاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة التي أعادت تعريف الالتزامات الأمريكية. لكن الطريق لا يزال طويلاً، ومكلفاً، ومليئاً بالعقبات التقنية والسياسية.
وحتى يصبح الاستقلال العسكري الأوروبي واقعاً، ستبقى القارة عالقة بين طموح الاستقلال، وحقيقة الاعتماد المتبادل مع الولايات المتحدة.


