مخاوف اقتصادية بعد هبوط الصرف المفاجئ.. هل يفتح بنك عدن المركزي باب أزمة جديدة؟

الاقتصاد اليمني | بقش
خلال اليومين الأخيرين شهدت أسواق الصرف بمناطق حكومة عدن تحركاً مفاجئاً في سعر صرف الريال السعودي مقابل الريال اليمني، حيث سجل الريال السعودي سعر شراء 410 ريالات يمنية وسعر بيع 413 ريالاً يمنياً، مقارنةً بالسعر المُقر في السابق عند 425 ريالاً للشراء، و428 ريالاً للبيع، وفق متابعات “بقش”.
تلت هذا التطور موجة من الترقب والتحذيرات داخل الأوساط المالية، إذ تساءل مواطنون وتجار واقتصاديون عما إذا كان هذا التراجع مؤقتاً أم بداية لمسار جديد في أسعار الصرف.
وجاءت التسعيرة الجديدة بعد اجتماع وُصف بأنه “استثنائي” عقده بنك عدن المركزي عبر وسائل الاتصال الافتراضية يوم الخميس 12 فبراير، لمناقشة آليات استقرار السوق والحفاظ على استقرار العملة المحلية. وبحث الاجتماع تقلبات العرض والطلب، كما شدد على مراقبة حركة السوق ومنع أي تذبذبات قد تؤثر على الأمن المعيشي.
وقال المركزي في موقعه الرسمي إنه “ناقش العديد من الخيارات المبنية على دراسات حركة السوق، للتعامل مع تلك التطورات واتخاذ الإجراءات المناسبة حيالها، على أن تستمر المراقبة الصارمة لحركة السوق واتخاذ الإجراءات المناسبة للمحافظة على استقرار العملة”.
وفي إطار “نقص السيولة من العملة الوطنية في الأسواق”، قال المركزي إنه “تم تفويض مجلس إدارة البنك بمعالجة الوضع بما يتسق وحاجة السوق من العملة الوطنية والحفاظ على المعايير المتبعة والسياسات الاحترازية الصارمة في إدارة السيولة”.
ورغم أن البنك المركزي لم يعلن رسمياً السعر الجديد، إلا أن التعميم الصادر عن “جمعية الصرافين” بعدن أشار إلى أن البنك المركزي تبنّى التسعيرة المذكورة كضامن لاستقرار السوق.
جمعية الصرافين: ضوابط جديدة لتنظيم البيع والشراء
ففي اليوم نفسه، الخميس، أصدرت جمعية الصرافين بعدن تعميماً، اطلع عليه بقش، وُجّه إلى شركات ومنشآت الصرافة، وتضمّن “ضوابط جديدة لتنظيم عمليات شراء وبيع العملات الأجنبية”، بالتنسيق مع بنك عدن المركزي.
ورد في التعميم تحديد سعر شراء الريال السعودي عند 410 ريالات يمنية، دون زيادة أو نقصان، على ألا تتجاوز قيمة العملية الواحدة لكل عميل مبلغ 2000 ريال سعودي أو ما يعادلها. أما الحد الأعلى لسعر البيع حُدّد بـ413 ريالاً يمنياً للريال السعودي أو ما يعادله من بقية العملات.
وعلى شركات ومنشآت الصرافة الالتزام الكامل – وفق التعميم – بإجراءات العناية الواجبة تجاه العملاء، بما يشمل توثيق الاسم الرباعي، ومحل الإقامة، ورقم الهوية، ورقم الهاتف الشخصي، إضافة إلى تحديد مصدر الأموال والغرض من العملية.
كما أن عليها بيع فائض النقد الأجنبي الذي يتم شراؤه بموجب هذا التنظيم لأي بنك مرخص، بصورة يومية وبحد أقصى صباح يوم العمل التالي، مع احتساب هامش عمولة خدمة قدره “نصف ريال يمني” للريال السعودي وما يعادله من العملات الأخرى، وإرفاق نسخة من بيانات العملاء الذين تمت عمليات الشراء منهم.
وجاء في التعليمات ضرورة القيد والتسجيل الفوري للعمليات وقت تنفيذها، وموافاة قطاع الرقابة على البنوك بنسخة يومية من بيانات عمليات شراء وبيع العملات الأجنبية المنفذة، ويتولى بنك عدن المركزي متابعة التنفيذ وإجراء عمليات تفتيش للتحقق من الالتزام بهذه الضوابط، على أن تُتخذ إجراءات قانونية – ضد المخالفين – تصل إلى الإيقاف أو سحب الترخيص.
ضغوط الصرافين.. وبداية اختلال نقدي
وصف اقتصاديون ومتابعون التحرك الأخير للبنك بأنه استجابة لضغوط الصرافين، ومن هؤلاء الصحفي “طه صالح” الذي حذّر من أن ما حدث يحمل مؤشرات خطيرة على المرحلة المقبلة، موضحاً أن أي انخفاض غير مدعوم بسياسات مالية ونقدية متكاملة قد يؤدي إلى اختلالات في السوق، خصوصاً أن سعر الصرف مرتبط مباشرة بأسعار السلع والخدمات، ما يعني آثاراً محتملة على القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي حديث لـ”بقش” علّق المصرفي في عدن “سليم مبارك” على احتمالية وجود ضغوط من الصرافين استجاب لها البنك المركزي، قائلاً إن شركات صرافة تحقق أرباحاً أعلى من فروقات الصرف، “فالصرافون يجنون أرباحاً من خلال فرق سعر البيع والشراء للعملات الأجنبية، وفي حال انخفض سعر صرف الريال السعودي (أي أصبح الريال اليمني أقوى) يمكن للصراف شراء الريال السعودي بسعر أقل وبيعه لاحقاً أو استثماره، مما يرفع هامش الربح”.
وأضاف أنه في حالة ثبات الأسعار على مستويات مرتفعة أو متقلبة، تتعرض أرباح الصرافين للضغط، بينما انخفاض سعر الصرف يمنح الصرافين قدرة أكبر على جذب العملاء، حيث يشعر بعض المستهلكين أن سعر العملة أكثر ملاءمة.
ذلك يزيد حجم التداول ويقلل من المخاطر المرتبطة بتقلب السوق وفقاً لـ”مبارك”، خصوصاً في فترة شهر رمضان حيث الطلب على العملات يرتفع.
وتابع بقوله إن الضغط المحتمل على البنك في بعض الحالات يُنظر إليه كوسيلة للتأثير على السياسات النقدية، خصوصاً إذا كانت هناك مخاوف من تجميد السيولة أو ضعف البنك في إدارة التدفقات المالية. وبينما يشكل الصرافون جزءاً من القوى السوقية، فإن هناك شِبه قناعة بأن المركزي قد يستجيب لتجنب اضطراب السوق أو اندلاع أزمة سيولة.
وفي تصريحات له، أكد الباحث الاقتصادي “وحيد الفودعي” أن خفض سعر الصرف يمثّل بداية اختلال في السياسة النقدية، وأن المواطن لن يلمس أي أثر مباشر على أسعار السلع والخدمات في الأجل القريب، بينما سيستفيد التجار فقط من الفروقات السعرية، مشيراً إلى أن انعكاسات هذه الإجراءات على الاقتصاد قد تتضح بشكل ملموس خلال فترة زمنية قد تصل إلى عام كامل.
على ضفة أخرى، ذكر الكاتب أحمد سعيد كرامة أن سبب نزول الصرف يعود إلى أن المعروض من العملات الأجنبية كبير، وفي المقابل قلّ الطلب، واعتبر أنّ الأهم بعد كل نزول في الصرف هو أن يتجاوز التجار والمستوردون مخاوف النزول، وأن يبيعوا وفق سعر الصرف الحالي وتحديداً المواد الغذائية.
وتشير معلومات “بقش” إلى أن التجار ما زالوا يعتمدون تسعير السلع بما يتراوح بين 600 و700 ريال مقابل الريال السعودي.
وحول ذلك قال كرامة إن التجار يعمدون إلى هذا التسعير تعويضاً لأي خسائر قد تنتج عن نزول مفاجئ في الصرف، وهو ما يفسر عدم وجود تحسن في أسعار السلع سابقاً وحالياً، محمّلاً وزارة التجارة والصناعة ومكاتبها المسؤولية الرقابية عن الأسعار.
تقلبات في وضع اقتصادي متدهور
تتضافر هذه التطورات مع واقع اقتصادي حساس، يتسم بتأخر الرواتب، وارتفاع تكاليف المعيشة، إضافةً إلى تقلبات سعر الصرف التي تؤثر مباشرة على استيراد السلع الأساسية. وتشير مؤشرات السوق إلى أن أي حركة مفاجئة في الصرف تؤدي فوراً إلى قلق بين المواطنين حول أسعار الغذاء والوقود والخدمات اليومية، خصوصاً في ضوء تآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
في هذا السياق، يشدد الاقتصاديون على ضرورة مراعاة بنك عدن المركزي لآليات متكاملة، تشمل سياسات مالية ونقدية داعمة، لضمان أن يؤدي أي تعديل في سعر الصرف إلى استقرار حقيقي، بدلاً من خلق فرص للمضاربات وانعكاسات سلبية على الأسواق المحلية.
ومن جهته ذكر الصحفي الاقتصادي ماجد الداعري، رئيس تحرير صحيفة مراقبون برس، أن التنسيق بين بنك عدن المركزي وشركات الصرافة لتحديد السعر الجديد، يعكس محاولة التوازن بين ضبط السوق ومنع المضاربات الفردية، في حين يظل السعر قابلاً للتغيير مستقبلاً وفق تطورات العرض والطلب.
وفي إطار موازٍ، تابع “بقش” امتناع عدد من الأسواق التجارية والمولات في عدن عن قبول البيع بالعملات الصعبة.
وعلّق الصحفي الداعري على هذه الخطوة بأنها تعكس واقعاً نقدياً يدل على تشبُّع السوق بالنقد الأجنبي مقابل شحة في المعروض من العملة المحلية، وهو ما قد يسهم في تعزيز موقع الريال في حال استمرت المؤشرات الحالية دون متغيرات مفاجئة. ومن وجهة نظره فإن استقرار سعر الصرف يظل مرتبطاً بجملة من العوامل الاقتصادية والمالية، وأن سلوك الأسواق الكبرى غالباً ما يُعد قراءة مبكرة لاتجاهات السوق وتوقعاته للفترة القادمة.
الهبوط الأخير في سعر الصرف يُعد مؤشراً مزدوج المعنى، فمن جهة يُظهر بنك عدن المركزي وقطاع الصرافة في حالة تنسيق لضبط السوق، ومن جهة أخرى يثير مخاوف بشأن قدرة السياسات المالية على حماية الاقتصاد من تقلبات حادة تؤثر على المواطنين.
وأمام هذه المعادلة تُطرح التساؤلات حول ما إذا كان هذا الهبوط مجرد تصحيح قصير المدى، أم بداية لمسار جديد في أسعار الصرف تتطلب سياسات نقدية واضحة لمواجهة تداعياتها على الاقتصاد والأسواق.


