مصير الرسوم الجمركية يُحسم غداً الجمعة في المحكمة العليا.. ما هي خيارات ترامب؟

الاقتصاد العالمي | بقش
تقترب لحظة الحسم القضائي في واشنطن، وتقف سياسة رسوم ترامب الجمركية في قلب جدل قانوني واقتصادي واسع، قد تتجاوز تداعياته حدود الولايات المتحدة إلى خريطة التجارة العالمية بأكملها.
فيوم غد الجمعة (09 يناير 2026) تصدر المحكمة العليا الأمريكية قرارها بشأن الرسوم، ولا يقتصر القرار المرتقب على البتّ في شرعية مليارات الدولارات من الرسوم المفروضة، بل يختبر أيضاً حدود السلطة الرئاسية في استخدام أدوات الطوارئ الاقتصادية، ويحدد ما إذا كان ترامب قادراً على مواصلة نهجه الحمائي الذي شكّل إحدى أبرز سمات سياساته التجارية.
ووفق اطلاع مرصد “بقش”، تختص القضية باعتماد ترامب على قانون الطوارئ الاقتصادية الدولي لعام 1977 (IEEPA) لفرض رسوم جمركية واسعة على شركاء تجاريين رئيسيين، في مقدمتهم الصين وكندا والمكسيك، إضافة إلى دول أخرى.
وقد رأت محاكم أدنى درجة أن ترامب تجاوز صلاحياته حين استخدم هذا القانون، معتبرةً أن نطاقه لا يبرر فرض رسوم شاملة بهذا الحجم، لكن الحكم النهائي بات الآن بيد المحكمة العليا، في قرار قد يعيد رسم العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس في إدارة السياسة التجارية.
وفي حال أيدت المحكمة الطعون وأبطلت هذه الرسوم، فإن ذلك لن يعني بالضرورة نهاية الحرب الجمركية، فالنظام القانوني الأمريكي يتيح للرئيس مسارات بديلة لإعادة فرض الرسوم، وإن كانت أكثر تعقيداً وأبطأ وأكثر تقييداً من المسار الطارئ الذي لجأ إليه ترامب سابقاً، حسب قراءة بقش تقريراً نشرته وكالة بلومبيرغ.
بدائل قانونية.. بحدود وإجراءات
1- المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962:
تُعد هذه المادة من أقوى الأدوات المتاحة للرئيس، إذ تخوّله فرض رسوم جمركية على واردات معينة بدعوى تهديدها للأمن القومي، من دون سقف محدد لنسبة الرسوم أو مدة سريانها.
لكن هذه الصلاحية ليست فورية، إذ يتوجب على وزارة التجارة أولاً فتح تحقيق رسمي لتقييم الأثر الأمني للواردات المعنية، ثم رفع تقريرها إلى الرئيس خلال مدة تصل إلى 270 يوماً.
وتكمن إحدى أبرز القيود في أن هذه المادة تُطبق على قطاعات محددة، لا على واردات دولة بأكملها، على عكس الرسوم الواسعة التي فرضها ترامب استناداً إلى قانون الطوارئ الاقتصادية الدولي، وقد استخدم ترامب هذه الأداة بالفعل خلال ولايته الأولى لفرض رسوم على واردات الفولاذ والألمنيوم عام 2018، ثم عاد بعد عودته إلى البيت الأبيض ليستند إلى نتائج التحقيق نفسه لرفع الرسوم على المعادن إلى مستويات وصلت إلى 50%.
كما وسّع نطاقها لتشمل السيارات وقطع الغيار استناداً إلى تحقيق آخر أُجري عام 2019، إضافة إلى النحاس شبه المصنّع ومنتجات مشتقة أخرى. وتشير المعطيات إلى وجود تحقيقات مفتوحة حالياً داخل وزارة التجارة قد تفضي إلى رسوم جديدة على قطاعات إضافية.
2- المادة 201 من قانون التجارة لعام 1974:
تمنح هذه المادة الرئيس سلطة فرض رسوم إذا ثبت أن زيادة الواردات تسببت، أو تهدد بالتسبب، في ضرر جسيم للصناعات الأمريكية.
إلا أن تفعيلها يمر عبر مسار مؤسسي أكثر تعقيداً، يبدأ بتحقيق تجريه لجنة التجارة الدولية الأمريكية (ITC)، التي يتعين عليها إصدار تقريرها خلال 180 يوماً من تقديم العريضة.
ويشترط القانون عقد جلسات استماع عامة وجمع تعليقات الجمهور، كما يضع سقفاً للرسوم لا يتجاوز 50% فوق أي رسوم قائمة، وحسب اطلاع بقش فإن هذه الرسوم تُفرض لفترة أولية تصل إلى أربع سنوات، مع إمكانية تمديدها إلى ثماني سنوات، على أن تُخفَّض تدريجياً إذا استمرت أكثر من عام.
واستخدم ترامب هذه المادة عام 2018 لفرض رسوم على الألواح الشمسية والغسالات المنزلية، ولاحقاً قامت إدارة الرئيس السابق بايدن بتعديل وتمديد الرسوم المفروضة على الألواح الشمسية، بينما انتهت رسوم الغسالات في عام 2023.
3- المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974:
تُعد هذه المادة من أكثر الأدوات استخداماً في النزاعات التجارية، إذ تخوّل مكتب الممثل التجاري الأمريكي (USTR)، بإشراف الرئيس، فرض رسوم على أي دولة تُتهم بممارسات تجارية تمييزية أو مخالفة للاتفاقيات الدولية، من دون حد أقصى لنسبة الرسوم.
لكن تفعيل المادة 301 يتطلب سلسلة من الإجراءات، تشمل فتح تحقيق رسمي، وطلب مشورة الدولة المستهدفة، وجمع تعليقات الجمهور، وعقد جلسات استماع عامة.
كما تنص على أن تنتهي الرسوم تلقائياً بعد أربع سنوات ما لم يُطلب تمديدها، ورغم تركيزها عادةً على دولة واحدة، فإنها قد تُستخدم لمراجعات متزامنة تشمل عدة دول إذا كانت الممارسات محل الشكوى متشابهة، كما حدث في التحقيق المتعلق بالضرائب على الخدمات الرقمية في 11 دولة، بينها فرنسا والمملكة المتحدة.
4- المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974:
توفر هذه المادة مساراً سريعاً نسبياً، إذ تسمح للرئيس بفرض رسوم لمعالجة اختلالات كبيرة في ميزان المدفوعات الأمريكي من دون انتظار تحقيقات من أي وكالة فيدرالية، لكن نطاقها يظل محدوداً، إذ تشترط أن يكون الهدف معالجة عجز تجاري كبير أو منع انخفاض وشيك وحاد في قيمة الدولار.
كما يحدد القانون سقف الرسوم عند 15% ولمدة لا تتجاوز 150 يوماً، ويشترط الحصول على موافقة الكونغرس لأي تمديد أطول.
5- المادة 338 من قانون الرسوم الجمركية لعام 1930:
تُعد هذه المادة الأقدم والأكثر إثارة للجدل، إذ تخوّل الرئيس فرض رسوم على واردات أي دولة إذا تبين أنها تفرض قيوداً أو رسوماً غير عادلة أو تمييزية، من دون الحاجة إلى تحقيق مسبق، لكنها تضع سقفاً للرسوم عند 50%.
ورغم ذلك، لم تُستخدم هذه المادة مطلقاً في التاريخ الأمريكي، وأي محاولة لتفعيلها قد تواجه تحديات قانونية وسياسية كبيرة.
وقد عبّر عدد من الديمقراطيين في مجلس النواب عن قلقهم إزاء بقائها حسب مراجعات بقش، حيث قدم خمسة نواب في مارس 2025 مشروع قرار لإلغاء هذا القسم من قانون عام 1930.
ما الذي يعنيه القرار المرتقب؟
قرار المحكمة العليا لا يحدد فقط مصير الرسوم التي فرضها ترامب باستخدام قانون الطوارئ الاقتصادية الدولي، بل يرسم أيضاً ملامح المرحلة المقبلة من السياسة التجارية الأمريكية.
ففي حال إبطال هذه الرسوم، سيظل الباب مفتوحاً أمام البيت الأبيض لاستخدام بدائل قانونية متعددة، لكنها أبطأ وأكثر تعقيداً، وقد تقلل من قدرة ترامب على شن حروب تجارية سريعة وواسعة النطاق.
أما في حال إقرار شرعيتها، فسيعني ذلك توسيعاً غير مسبوق لصلاحيات الرئيس في المجال التجاري، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، وعلى استقرار النظام التجاري العالمي في ظل تصاعد النزعات الحمائية.
وفي كلتا الحالتين، يبدو أن الرسوم الجمركية ستظل أداة مركزية في ترسانة ترامب الاقتصادية، حتى وإن اختلفت السبل القانونية المؤدية إليها.


