رفع الدولار الجمركي وتوحيد الإيرادات وحصر أراضي وأصول الدولة.. المجلس الرئاسي يدفع نحو إجراءات مالية واسعة في ظل الأزمة المستمرة

متابعات محلية | بقش
تشهد مناطق حكومة عدن والمحافظات المجاورة مرحلة جديدة من القرارات المالية التي توحي بأن المرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. ففي ظل شحّ السيولة وتراجع الإيرادات وتباطؤ الدعم الخارجي، يدفع مجلس القيادة الرئاسي الحكومة نحو سلسلة خطوات حادة تمسّ جوهر السياسة المالية، على رأسها تحرير سعر الدولار الجمركي وتوحيد موارد الدولة.
هذه القرارات التي طالعها بقش تأتي في بيئة اقتصادية مضطربة، ومعيشة متدهورة، وضغوط متزايدة من صندوق النقد الدولي والمانحين لفرض المزيد من “الإصلاحات القسرية”.
وخلال اجتماع في قصر معاشيق بعدن، دعا رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي إلى اعتماد إجراءات “صارمة” لتنظيم الإيرادات وضبط الأسواق وتوحيد الصرف الحكومي، في وقت تصاعدت فيه التحذيرات المحلية من أن تحرير الدولار الجمركي قد يشعل موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الأساسية، ويعمّق حالة الانكماش التي تعاني منها الأسر في مناطق الحكومة.
الوضع المالي لحكومة عدن بلغ مرحلة حساسة دفعتها إلى البحث عن مصادر دخل غير تقليدية. ويتضح ذلك من مطالبة العليمي بإجراء حصر شامل لأراضي الدولة وعقاراتها وتحويلها إلى موارد سيادية، إضافة إلى دراسة إنشاء صندوق سيادي لإدارة الأصول الحكومية. ويأتي ذلك ضمن محاولات لسد العجز في ظل انهيار الإيرادات وتراجع القدرة على تغطية رواتب الموظفين المنتظمة.
تحرير الدولار الجمركي… خطوة مالية محفوفة بمخاطر اجتماعية
تصدّر تحرير سعر الدولار الجمركي قائمة التوجيهات، حسب قراءة بقش، باعتباره الإجراء الأكثر تأثيراً على السوق. ويعدّ رفع قيمة الدولار الجمركي أحد أبرز توصيات صندوق النقد الدولي للحكومة، باعتباره “مدخلاً لإصلاح الإيرادات”، لكنه في الواقع يضع المستهلك في الواجهة، إذ سينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة التي تعتمد عليها الأسواق بشكل شبه كامل.
ويؤكد اقتصاديون أن تحرير السعر في ظل هذا الوضع الاقتصادي الهش قد يؤدي إلى ارتفاعات مضاعفة في الأسعار خلال أسابيع قليلة، خصوصاً في السلع الأساسية التي تشكل أكثر من 70% من واردات المواطنين الشهرية. كما أن ضعف أدوات الرقابة سيجعل السيطرة على الأسواق شبه مستحيلة، ما يفتح الباب لحالة تضخم متسارعة لا قدرة للأسر على تحملها.
وتأتي هذه الخطوة في سياق استجابة واضحة لضغوط صندوق النقد الدولي، الذي شدد في تقريره الأخير على ضرورة رفع الدولار الجمركي كشرط لاستمرار تدفق التمويلات الخارجية. وتعيش حكومة عدن أزمة مالية خانقة تجعلها أكثر انكشافاً لهذه الشروط مقارنة بالسنوات الماضية.
توحيد الإيرادات… صدام سياسي آخر في الطريق
التوجيهات التي أصدرها العليمي لم تقتصر على الجوانب الجمركية. فقد دعا إلى تسريع إجراءات توحيد الإيرادات العامة وتوريدها بشكل كامل إلى البنك المركزي في عدن، وهو مطلب يثير توتراً متزايداً بين الحكومة والسلطات المحلية في عدد من المحافظات، خصوصاً تلك التي ترفض التخلي عن مواردها المالية.
ويؤكد مراقبون لبقش أن هذا التوجه قد يفتح مواجهة جديدة بين عدن وعدد من المحافظين، الذين يرون أن نقل الإيرادات إلى البنك المركزي يعني تجريدهم من أدواتهم الإدارية والمالية. كما أن غياب الضمانات بشأن كيفية إدارة هذه الإيرادات يزيد من حالة عدم الثقة بين الأطراف المختلفة داخل منظومة حكومة عدن.
وتشير التوجيهات كذلك إلى تعزيز استقلالية البنك المركزي وضبط شركات الصرافة، وهي خطوات تكشف عن قلق رسمي من تنامي السوق الموازية للعملة وتآكل قدرة البنك على إدارة السياسة النقدية.
أراضي الدولة.. محاولة يائسة لخلق موارد جديدة
من بين أكثر التوجيهات لفتاً للانتباه دعوة العليمي لإجراء حصر شامل لأراضي وعقارات الدولة وتحويلها إلى موارد. ويُنظر إلى هذا الإجراء كخطوة لتفعيل أصول غير مستغلة بهدف توليد سيولة عاجلة في ظل الانهيار المالي المستمر.
لكن خبراء يحذرون من أن إدارة هذه الأصول عبر “صندوق سيادي” في بيئة غارقة بالفساد وضعف المساءلة قد يحول هذه الممتلكات إلى مصدر نزيف مالي بدلاً من أن تكون مورداً سيادياً. كما أن عمليات الحصر نفسها قد تواجه اعتراضات محلية ونزاعات على ملكيات الأراضي الممتدة منذ سنوات.
ورغم ذلك، تبدو الحكومة مضطرة للبحث عن بدائل جديدة في وقت لم يعد فيه الدعم الخارجي مضموناً، ولا الإيرادات النفطية مستقرة، وهو ما يدفعها لتوسيع دائرة اعتمادها على أصول الدولة كملاذ أخير.
في سياق متصل، أعلن العليمي توجيهاً بإنشاء هيئة وطنية للإغاثة لضمان الرقابة على العمل الإنساني. ويأتي هذا التوجه في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية، إذ يحتاج نحو 17 مليون يمني إلى المساعدات الغذائية، وفق تقديرات رسمية تتبَّعها بقش.
لكن إنشاء هيئة جديدة قد لا يكون حلاً جذرياً في ظل غياب بنية مؤسسية قوية، وتباين الولاءات داخل الحكومة، وصعوبة التنسيق مع المنظمات الدولية. كما أن استمرار القيود على دخول المساعدات وتوزيعها، إضافة إلى تضرر البنية التحتية، يجعل من الصعب تحسين الوضع الإنساني دون معالجة سياسية شاملة.
تكشف حزمة التوجيهات عن واقع مالي ضاغط تعيشه حكومة عدن، وعن مرحلة جديدة من “الإصلاحات القاسية” التي قد تزيد من الأعباء على المواطنين، خصوصاً إذا جرى رفع الدولار الجمركي دون إجراءات حماية موازية.
كما أن توحيد الإيرادات وحصر أصول الدولة قد يفتحان الباب لصدامات سياسية جديدة، في وقت يتآكل فيه النفوذ المركزي. وفي ظل ارتباط هذه القرارات بشروط صندوق النقد الدولي، فإن عدن تبدو أمام خيارات صعبة: إما الامتثال الكامل لهذه السياسات، أو مواجهة احتمال توقف التمويلات الخارجية.
وفي كل الأحوال، فإن الأشهر المقبلة ستشهد اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على مواجهة التحديات الاقتصادية دون إشعال موجة جديدة من التدهور المعيشي في بيئة أنهكتها الأزمات المتتالية.


