
تقارير | بقش
دخل ميناء حيفا، أحد أهم الموانئ على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، مرحلة شلل شبه كامل، عقب إعلان لجنة العمال إضراباً مفتوحاً شمل جميع عمليات النقل والمناولة، في تصعيد غير مسبوق منذ خصخصة الميناء، وجاء القرار رداً على خطوة إدارية فجّرت التوتر الكامن منذ أشهر داخل المرفق الحيوي.
الإضراب اندلع بعد استدعاء عدد من عمال النقل لجلسات استماع تمهيدية للفصل وفق اطلاع “بقش”، في توقيت بالغ الحساسية، حيث تجري مفاوضات متقدمة بين الإدارة ونقابة العمال حول اتفاقيات عمل جماعية جديدة. العمال رأوا في هذه الخطوة محاولة ضغط قسرية، فيما اعتبرتها الإدارة إجراءً تنظيمياً مشروعاً.
النتيجة كانت فورية وحادة: توقف كامل لنقل البضائع من السفن إلى الشاحنات، شاحنات مصطفّة بلا حمولة، وسفن عالقة في الأرصفة، ما أعاد إلى الواجهة هشاشة التوازن بين الإدارة الخاصة الجديدة والنفوذ التاريخي للجان العمال.
هذا التصعيد لا يقتصر على نزاع عمالي داخلي، بل يحمل أبعاداً اقتصادية واستراتيجية أوسع، في ظل سعي إسرائيل لتسويق ميناء حيفا كحلقة محورية في سلاسل الإمداد الإقليمية وممرات التجارة العابرة.
شرارة الإضراب
اندلع الإضراب عقب استدعاء سبعة من عمال النقل لجلسات استماع قبل الفصل، وهو ما اعتبرته لجنة العمال تجاوزاً صريحاً للأعراف النقابية، خصوصاً أن الخطوة جاءت بالتزامن مع مفاوضات نشطة حول ثلاث اتفاقيات جماعية.
في بيان شديد اللهجة قرأه بقش، وصفت لجنة العمال هذه الخطوة بأنها «قسرية وغير مسؤولة»، واعتبرتها محاولة لترهيب العمال وكسر موقفهم التفاوضي، مؤكدة أن الإدارة اختارت منطق التهديد بالفصل بدلاً من التفاوض بحسن نية.
رد اللجنة جاء تنظيمياً وحاسماً: إصدار تعليمات فورية بوقف العمل لجميع عمال النقل، ما أدى عملياً إلى شلل الميناء بالكامل. لم يكن الإضراب جزئياً أو رمزياً، بل شاملاً، في رسالة واضحة بأن التصعيد مفتوح ما لم تتراجع الإدارة.
هذا النوع من الإضرابات المفاجئة يعكس عمق الأزمة بين الطرفين، ويشير إلى فقدان الثقة المتبادل، وهو عنصر حاسم في أي نظام علاقات عمل مستقر، خصوصاً في المرافق الحيوية.
“الهستدروت” يدخل على الخط… أزمة ثقة لا أزمة بنود
دخل الهستدروت، أكبر اتحاد نقابي في إسرائيل، على خط الأزمة، مؤكداً أن المفاوضات الجارية تشمل اتفاقيات مصيرية، من بينها تنظيم استيعاب العمال خلال فترات تجريبية.
الهستدروت اعتبر خطوة الإدارة انتهاكاً خطيراً لمسار الحوار، مشيراً إلى أن استدعاء العمال لجلسات فصل في هذه المرحلة لا يمكن فصله عن محاولة ممارسة ضغط غير مشروع على العملية التفاوضية.
وحسب تسريبات إعلامية، فإن جوهر الخلاف يتجاوز حالات الفصل الفردية، ليصل إلى نموذج التوظيف نفسه. فبينما تنص الاتفاقية على حوافز تقاعد سخية قد تصل إلى أربعة ملايين شيكل للموظف، لا تزال بنود توظيف العمال الجدد عالقة، خصوصاً ما يتعلق برواتبهم وامتيازاتهم.
لجنة العمال تصر على توظيف الموظفين الجدد وفق الشروط التاريخية التي سادت قبل الخصخصة، في حين ترى الإدارة أن هذا النموذج لم يعد قابلاً للاستمرار اقتصادياً، ما أدى فعلياً إلى فصل بعض الموظفين الجدد وإشعال الأزمة الحالية.
الخصخصة في مواجهة الإرث النقابي
من جهتها، رفضت إدارة الميناء اتهامات العمال، مؤكدة أن ميناء حيفا، بقيادة شركة Adani-Gadot، يعمل وفق معايير عالمية، ويستعد للعب دور استراتيجي في مشاريع إقليمية كبرى.
الإدارة ربطت رؤيتها بممر IMEC، معتبرة أن الاستفادة من هذه الفرص الجيوسياسية تتطلب اتفاقيات عمل حديثة تعكس متطلبات الاقتصاد الجديد، لا أن تبقى رهينة نماذج تشغيل تعود لعقود سابقة.
وأكدت الإدارة أنها توصلت، قبل سبعة أشهر، إلى تفاهمات كاملة مع الهستدروت بشأن جميع القضايا الجوهرية، وأن المسؤولية الآن تقع على عاتق لجان العمال لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
وفي خطوة تصعيدية مضادة، أعلنت الإدارة نيتها التوجه إلى محكمة العمل لوقف الإضراب وفرض استئناف العمل، معتبرةً أن الإضراب المفاجئ يضر بالاقتصاد وبسلاسل التوريد.
ووفق قراءة بقش فإن ما يجري في ميناء حيفا يتجاوز كونه نزاعاً عمالياً تقليدياً، ليعكس صداماً بنيوياً بين نموذجين: نموذج الخصخصة والسوق المفتوحة، ونموذج القوة النقابية التاريخية التي ترى في أي تعديل مساساً بمكتسبات متراكمة.
شلل الميناء لا يضرب فقط حركة البضائع، بل يبعث رسالة سلبية للأسواق والشركاء الدوليين في توقيت تحاول فيه إسرائيل إعادة تموضعها كمحور لوجستي إقليمي، مستفيدة من تحولات جيوسياسية معقدة.
ومع تمسك الطرفين بمواقفهما، يبدو أن الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد، ما لم تُعاد صياغة قواعد اللعبة بين الإدارة والعمال. فاستمرار الإغلاق لا يخدم أحداً، لكنه يكشف بوضوح أن الخصخصة، دون عقد اجتماعي متوازن، قد تتحول من فرصة اقتصادية إلى نقطة انفجار دائمة.


