نمو تجارة السفن.. قطاع الشحن العالمي بين صعود آسيا وابتكار الصين وتحديات أمريكا الشمالية

أخبار الشحن | بقش
عام 2025 شهد قطاع الشحن البحري العالمي أداءً متفوقاً على التوقعات، بدعم من النشاط القوي للصادرات الآسيوية، رغم استمرار التحديات في أسواق أمريكا الشمالية والحالة العامة لعدم اليقين الجيوسياسي.
ووفق اطلاع مرصد “بقش” على أحدث بيانات موقع “لويدز ليست” البريطاني لتحليلات الشحن، فإن هذا النمو يعكس تحسناً تدريجياً في حركة التجارة العالمية بعد سنوات من التذبذب، ويشير إلى تحولات مهمة في اتجاهات النقل البحري، لا سيما فيما يتعلق بالشحن الأخضر واعتماد الوقود البديل.
أداء الشحن البحري في 2025
تُظهر البيانات أن قطاع شحن الحاويات العالمي سجل أداء قوياً في نوفمبر 2025، مع ارتفاع حركة المرور بنسبة 7.2% على أساس سنوي، وارتفاع أحجام الحركة منذ بداية العام بنسبة 4.9%، ما وضع التجارة البحرية على مسار نمو بنحو 5% لعام 2025، بمساهمةٍ من الصادرات الآسيوية القوية، خاصة من جنوب شرق آسيا، وهو رقم يشير إلى صمود القطاع في مواجهة الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية.
كما شهدت التجارة بين آسيا وأوروبا نمواً كبيراً بنسبة 15.5% في نوفمبر، وبلغ النمو التراكمي منذ بداية العام 9.3%، مما عبّر عن تعزيز الروابط التجارية العابرة للقارات.
أما أمريكا الشمالية، فظلّت -على النقيض- نقطة ضعف، إذ انخفضت أحجام الشحن بين الصين والولايات المتحدة بنسبة 14% منذ بداية العام، بينما سجلت عمليات الشحن عبر المحيط الهادئ انخفاضاً بنسبة 3.7% حسب تتبُّع بقش للبيانات.
من جهة أخرى، أوردت منصة Seatrade Maritime المتخصصة في بيانات الشحن البحري، أنّ أسواق الشحن في النصف الثاني من عام 2025 شهدت تقلبات عالية وعدم يقين، رغم أن الأداء الاقتصادي العالمي كان أفضل من المتوقع.
ورفعت المنصة توقعاتها للنمو العالمي إلى 2.7% مقابل 2.4% في منتصف العام، وقد لعبت العوامل التكنولوجية، مثل الاستثمار في مراكز البيانات واقتصاد الذكاء الاصطناعي، والسياسة المالية الداعمة، دوراً في تعويض تأثير التعريفات الجمركية والسياسات التجارية على النمو.
وأثبت الاقتصاد الصيني مرونة كبيرة ويمضي نحو تحقيق هدف نمو بنسبة 5%، مع استمرار بعض الضعف في قطاعي العقارات والاستهلاك.
وقد نجحت الصين في إعادة توجيه جزء من صادراتها المتأثرة بالرسوم الأمريكية إلى أسواق بديلة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. في المقابل، استمر الاقتصاد الأوروبي في الضعف.
تطورات تكنولوجية وبيئية في الشحن
موقع “لويدز ليست” يشير إلى أن قطاع الشحن العالمي يشهد تحولات ملحوظة فيما يتعلق بالشحن الأخضر والابتكار التكنولوجي. وسيزداد استخدام الوقود الحيوي والغاز الطبيعي المسال في أوروبا بسبب الامتثال لمعايير FuelEU البحري (لوائح من الاتحاد الأوروبي تهدف لتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من النقل البحري عبر إلزام السفن بتقليل كثافة انبعاثات الطاقة المستخدمة)، مما يفتح أسواقاً جديدة للغاز الطبيعي المسال الحيوي.
ومن المتوقع أن يبقى استخدام الهيدروجين الأخضر والأمونيا محدوداً بسبب التكاليف المرتفعة، بينما مشاريع الهيدروجين الأزرق التي تعتمد على الغاز الطبيعي مع احتجاز الكربون قد تكون مجدية للمتابعة.
وتتصدر الصين الابتكار في السفن الصغيرة وفق قراءة بقش، حيث أصبحت العبّارات الكهربائية وسفن الحاويات تعمل على أنهار مثل اليانغتسي، مع سعي لتوسيع مدى تشغيلها، ما يعكس تحولاً مستقبلياً نحو الشحن الكهربائي.
ويبقى احتجاز الكربون على متن السفن حلماً بعيد المنال، كما أن الاعتماد على الطاقة النووية، بما في ذلك المفاعلات المعيارية الصغيرة، في مراحل البحث والتجريب الأولية، قد يصبح محط اهتمام مستقبلي.
ماذا عن 2026؟
تذهب توقعات إلى أن النمو سيستمر في تجارة السفن بين 4–6% في 2026، مدفوعاً بالطلب القوي من آسيا واستقرار أسواق أوروبا.
وحسب منصة Seatrade Maritime، من المتوقع لعام 2026 نمو الشحن بنسبة 2% ونمو الأسطول البحري بنسبة 4%، مع احتمال ضغوط على أسعار التأجير الزمني نتيجة تحسن كفاءة الأسطول، خاصة مع عودة بعض السفن عبر البحر الأحمر وقناة السويس بعد توقف مؤقت لهجمات الحوثيين.
كما يسود قدر من عدم اليقين بسبب عدة عوامل تنظيمية وتجارية، مثل تعليق رسوم الموانئ الأمريكية، وفرض الصين تعريفات جمركية مؤقتة، وتأجيل اعتماد إطار المنظمة البحرية الدولية لصافي الانبعاثات الصفرية حتى أكتوبر 2026.
ويدخل قطاع الشحن البحري عام 2026 مع استمرار العديد من التحديات والفرص نفسها، وسط حالة متغيرة من عدم اليقين تؤثر على حركة التجارة وأسعار التأجير وكفاءة الأسطول.
وتتركز التحديات في أمريكا الشمالية، حيث قد تبقى نقاط الضعف قائمة ما لم تتحسن السياسات التجارية أو تتراجع التوترات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وآسيا.
وقد يكون الشحن الأخضر (المبني على خفض انبعاثات الكربون والتلوث) محور الاهتمام الأكبر، مع استمرار التطورات في السفن الكهربائية والهيدروجين الأزرق، والتوسع المحتمل في الوقود الحيوي في أوروبا.
وعلى أقل تقدير، ستواصل الصين قيادة التحول التكنولوجي، خصوصاً في السفن الصغيرة والمتوسطة، وقد تفرض نفسها كمرجع عالمي في الشحن الأخضر إذا تم تحديد تعريف رسمي للميثانول الأخضر.
كما ستشكل القرارات القادمة للمنظمة البحرية الدولية بشأن تسعير الانبعاثات عاملاً مؤثراً في اتجاهات السوق، مع استمرار التأثيرات السياسية والضغوط الأمريكية على جهود الأمم المتحدة المناخية.
وعلى الرغم من التحديات وعدم اليقين الجيوسياسي، يظل قطاع الشحن العالمي على مسار نمو إيجابي وفق البيانات الواردة من موقع ليدز ليست، مدعوماً بالطلب الآسيوي القوي والابتكار التكنولوجي، ويمثل التحول نحو الشحن الأخضر والتكنولوجيات الجديدة أهم عوامل الاستدامة والتنافسية المستقبلية للقطاع، مع توقع أن تظل الانبعاثات والسياسات البيئية محوراً رئيسياً للتطورات في السنوات القادمة.


