تقارير
أخر الأخبار

الرئيس الألماني: ترامب يحول النظام العالمي إلى “وكر لصوص” بسعيه لأخذ كل شيء بالقوة

الاقتصاد العالمي | بقش

لم يأتِ خطاب الرئيس الألماني الأخير بوصفه مداخلة بروتوكولية عابرة، بل كإعلان سياسي ثقيل الدلالة عن حالة القلق المتنامية داخل أوروبا من مسار السياسة الخارجية الأمريكية. فحين يتحدث رأس الدولة في ألمانيا، ولو كان منصبه شرفياً، بهذه الحدة غير المسبوقة، فإن ذلك يعكس تحوّلاً عميقاً في تقييم الحليف الأوروبي الأكبر لسلوك واشنطن على الساحة الدولية.

الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير وجّه انتقاداً لاذعاً للولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب، محذّراً من أن النظام العالمي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية بات مهدداً من الداخل، ليس فقط من خصومه التقليديين، بل من القوى التي شاركت في بنائه وصاغت قواعده.

التصريحات، التي نقلتها رويترز، جاءت بلغة أخلاقية صارمة، شبّه فيها شتاينماير العالم المتجه نحو الفوضى بـ«وكر لصوص»، تُنتزع فيه الدول والمناطق كما لو كانت غنائم، وتُدار العلاقات الدولية بمنطق القوة المجردة لا بالقانون أو التوافقات متعددة الأطراف.

أهمية هذه التصريحات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في توقيتها ومصدرها. فصدورها من دولة تُعد ركناً أساسياً في المعسكر الغربي يكشف أن الخلاف لم يعد تقنياً حول سياسات بعينها، بل بات يمس الأسس القيمية للنظام الدولي نفسه، ويعكس أزمة ثقة آخذة في التعمّق داخل الغرب.

كسر المحظور الأوروبي في انتقاد واشنطن

لطالما تجنّبت القيادات الأوروبية، خصوصاً الألمانية، توجيه انتقادات مباشرة وحادة للولايات المتحدة، حتى في ذروة الخلافات السياسية. غير أن خطاب شتاينماير كسر هذا المحظور، وخرج عن اللغة الدبلوماسية المعتادة التي تكتفي بالتلميح أو التعبير «الناعم» عن القلق.

الرئيس الألماني، الذي شغل سابقاً منصب وزير الخارجية ويملك خبرة طويلة في إدارة العلاقات الدولية، اختار أن يضع سلوك واشنطن في خانة الخطر البنيوي، لا الخلاف الظرفي. فحديثه لم يكن عن قرار سياسي محدد، بل عن «انهيار في القيم» لدى الشريك الأهم لأوروبا.

وإذ أشار إلى أن الديمقراطية العالمية تتعرض لهجوم غير مسبوق، بدا واضحاً أن المقصود ليس فقط تصاعد الشعبوية أو الاستبداد في دول أخرى، بل أيضاً استخدام القوة السياسية والاقتصادية لإعادة رسم الخرائط وتغيير الأنظمة خارج الأطر القانونية.

هذا التحول في الخطاب يعكس إدراكاً أوروبياً متزايداً بأن التحالف الغربي لم يعد متماسكاً كما كان، وأن القيم التي شكّلت أرضيته المشتركة باتت موضع اختبار حقيقي مع عودة منطق الهيمنة الصلبة.

من القرم إلى واشنطن… التصدع يتسع

في خطابه، وضع شتاينماير الغزو الروسي لأوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم كنقطة تحول أولى في النظام العالمي، لكنه لم يتوقف عندها. فقد اعتبر أن السلوك الأمريكي الراهن يمثل «تصدعاً تاريخياً ثانياً»، وهو توصيف ثقيل يعكس حجم القلق الألماني.

المقارنة هنا ليست عابرة، إذ إن وضع الولايات المتحدة – بوصفها مهندسة النظام العالمي بعد 1945 – في خانة المهددين لهذا النظام، يحمل دلالة سياسية وأخلاقية شديدة الخطورة، ويعني أن مصدر الخلل لم يعد خارج المنظومة، بل في قلبها.

وتلميح شتاينماير إلى سياسات تغيير الأنظمة والتعامل مع دول بأكملها كملفات نفوذ، يعكس انتقاداً مباشراً لمنطق «القوة أولاً» الذي بات يطغى على السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصاً في عهد ترامب.

هذا التوصيف يعزز القناعة داخل أوروبا بأن العالم يدخل مرحلة سيولة استراتيجية، حيث تتراجع القواعد، وتتقدم المصالح المجردة، وتصبح الدول الأصغر عرضة للابتلاع أو التهميش

غرينلاند وفنزويلا… حين تتحول القوة إلى سياسة معلنة

وتأتي تصريحات الرئيس الألماني في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزامن مع تصعيد غير مسبوق في خطاب الرئيس الأمريكي وأعضاء إدارته بشأن الرغبة العلنية في السيطرة على جزيرة غرينلاند، وهي منطقة تتمتع بثروات ضخمة من النفط والغاز والمعادن النادرة. هذا الخطاب، الذي تجاوز مرحلة التلميح إلى التصريح المباشر، أعاد إلى الواجهة منطق الاستحواذ الجغرافي بوصفه أداة سياسية، في سابقة تعيد إلى الأذهان ممارسات حقبة ما قبل تأسيس النظام الدولي الحديث.

الحديث الأمريكي المتكرر عن غرينلاند لا يُقرأ في أوروبا بوصفه نزوة سياسية عابرة، بل كإشارة واضحة إلى انتقال واشنطن من الدفاع عن نظام دولي قائم على القواعد، إلى إعادة إنتاج منطق «المجالات الحيوية» والسيطرة على الموارد الاستراتيجية، حتى لو تعارض ذلك مع سيادة الدول والقانون الدولي. وهو ما يفسر حدة لهجة شتاينماير حين حذّر من عالم تُعامل فيه الدول والأقاليم كغنائم بيد قوى عظمى محدودة.

ولا يتوقف الأمر عند غرينلاند، إذ تأتي هذه التصريحات أيضاً بعد السيطرة الأمريكية المباشرة على فنزويلا بالقوة، وما رافقها من اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة، في خطوة وُصفت في عواصم عديدة بأنها تحدٍّ صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية. هذا الحدث شكّل، في نظر مراقبين، نقطة تحول خطيرة في السلوك الأمريكي، حيث جرى الانتقال من أدوات الضغط والعقوبات إلى الفعل القسري المباشر.

من هذا المنظور، تبدو كلمات الرئيس الألماني أقل رمزية وأكثر واقعية، إذ تعكس قلقاً أوروبياً عميقاً من أن العالم ينزلق فعلياً نحو مرحلة تُدار فيها السياسة الدولية بمنطق القوة العارية، لا بمنطق الشرعية أو التوازنات المؤسسية.

رغم أن منصب الرئيس الألماني يُعد شرفياً إلى حد كبير، فإن هذه الصفة بالذات تمنحه مساحة أوسع للتعبير الصريح، بعيداً عن حسابات السلطة التنفيذية اليومية. وهذا ما يمنح تصريحات شتاينماير وزناً خاصاً، لأنها تعكس مزاجاً سياسياً وأخلاقياً لا يرتبط مباشرة بالتكتيك الحكومي.

في السياق الألماني، غالباً ما يُستخدم منصب الرئيس كمنصة لطرح الأسئلة الكبرى، والتنبيه إلى الانزلاقات الخطيرة في النظام الدولي، وهو ما فعله شتاينماير بوضوح، حين دعا إلى منع انحدار العالم إلى نظام تحكمه الغريزة لا القواعد.

حديثه عن عالم تُدار فيه الدول كـ«ملكيات» لقوى عظمى قليلة، يكشف خوفاً أوروبياً متزايداً من عودة منطق ما قبل الحرب العالمية الثانية، حيث تُقسَّم مناطق النفوذ بالقوة، وتُهمَّش الدول الصغيرة والمتوسطة.

وهنا، لا يبدو الخطاب موجهاً للولايات المتحدة وحدها، بل للعالم بأسره، في محاولة لإعادة إحياء فكرة المسؤولية الجماعية عن حماية النظام الدولي قبل انهياره الكامل.

زر الذهاب إلى الأعلى