الاقتصاد اليمني
أخر الأخبار

أزمات الاقتصاد اليمني.. هل يهزم الرغيف صخب السياسة؟

الاقتصاد اليمني | بقش

يشير المشهد الراهن في اليمن إلى أن الخلافات البينية داخل النخب السياسية تنتقل بشكل أكبر إلى الشارع، في الوقت الذي لم تعد فيه الخطابات السياسية والدعوات للحوار كافية لإقناع المواطنين الذين يتحركون بدافع الواقع المعيشي أكثر من الولاءات السياسية، بعد أكثر من عشر سنوات على الحرب والانهيار الاقتصادي.

ويقول المحلل الاقتصادي “أحمد الحمادي” في حديث لـ”بقش”، إن الأزمة الاقتصادية تفرض ضغوطاً معيشية تتركز في تآكل القدرة الشرائية وعجز الأسر عن تلبية احتياجاتها، وأزمة انقطاع الرواتب وعدم كفاية الأجور لمجاراة تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية، مشيراً إلى أهمية تحسين الرواتب وانتظام صرفها وكبح التضخم كإجراء أمني وسياسي للحد من التوتر.

وفي حين تبرز الحاجة الملحة لوجود إطار سياسي بدعم القوى الإقليمية، يرى الحمادي أن المحافظات الجنوبية محكومة بالمسار المعيشي وتحسين الدخل ومحاربة الغلاء، والمسار التنظيمي من خلال بناء إطار سياسي موحد، والمسار الإداري الذي يضمن إدارة منصفة وشاملة.

وينبّه بأن حكومة عدن الجديدة، بقيادة شائع الزنداني، التي باشرت مهامها مؤخراً، تواجه تحديات اقتصادية تكاد تكون الأثقل منذ اندلاع الحرب، أبرزها شلل الموارد السيادية وتوقف تصدير النفط، واستنزاف قطاع الطاقة والخدمات كثقب أسود في الميزانية العامة بما لا يقل عن 100 مليون دولار شهرياً لتوفير الوقود والتشغيل، إضافةً إلى هدر حجم كبير من المال العام على مسؤولي الحكومة في الخارج الذين يرفضون العودة إلى عدن (رواتب وحوافز وإعاشات وامتيازات وغيرها).

كما تواجه الحكومة تحدياً دولياً يتمثل في شح الدعم من المانحين، في الوقت الذي تشير فيه تقارير الأمم المتحدة لعام 2026 إلى تخفيضات كبيرة في التمويل الإنساني عطّلت عملياتها في اليمن. ويفرض المشهد التمويلي العام على حكومة عدن الجديدة التحرك للإصلاح المؤسسي الجذري ومكافحة الفساد عملياً وبالشفافية المطلوبة، كشرط أساسي للحصول على أي دعم دولي جديد يساند الدعم السعودي.

الحالة الاقتصادية: خسائر تتجاوز 190 مليار دولار

في إطار الوضع الاقتصادي العام المتدهور في اليمن، يقول المحلل الاقتصادي، رئيس منتدى الإعلام والبحوث الاقتصادية في عدن، عبدالحميد المساجدي، إن الخسائر النقدية للحرب على مدى السنوات العشر الماضية تقدّر بـ190 مليار دولار، نتيجة تدمير البنية التحتية، توقف خطوط الإنتاج، وهروب رؤوس الأموال، وتزايد الاقتصاد غير الرسمي.

وتبقى هذه التقديرات تقريبية، نظراً لصعوبة إجراء إحصاء دقيق في ظل الحرب، إلا أن الأرقام تعكس حجم التآكل في رأس المال البشري والطبيعي والمؤسسي، وارتفاع تكلفة المعاملات والفساد، وظهور أثرياء جدد مستفيدين من استمرار الحرب.

كما يشير إلى أن استمرار الوضع الحالي لعشر سنوات إضافية قد يؤدي إلى انكماش طويل الأمد في الناتج المحلي، تفكك قدرات الدولة، وارتفاع دائم لمعدلات الفقر والبطالة. ورغم تراجع الاحتكاك المباشر، يمكن لمرحلة الاستقرار السياسي النسبي أن تتيح تعافياَ محدوداً ومؤقتاً في قطاعات محددة، مثل إعادة تشغيل الموانئ واستقرار سعر الصرف المؤقت، كما حصل بعد هدنة 2022.

لكن هذا التعافي يبقى هشاً، لأنه مبني على افتراضات هشة، مثل استمرار التمويل الخارجي، وعدم تجدد الصراع، وإجراءات ثقة متبادلة، باعتبار السلام الكامل يظل الشرط الأساسي لأي تعافٍ شامل ومستدام.

ويشير صندوق النقد الدولي وفق متابعات بقش إلى مؤشرات ضعف خطيرة في الاقتصاد اليمني، تشمل تضخماً مرتفعاً تجاوز 35% على أساس سنوي، واحتياطيات متدنية تغطي واردات بضعة أسابيع فقط، وتآكل الإيرادات الحكومية، وتراكم الديون والمستحقات المتأخرة، وانقسام النظام المصرفي، وانتشار أسواق موازية للعملة.

ورغم التحسن الطفيف في سعر صرف الريال اليمني، الذي شهدته الأسواق في نهاية يوليو، فإن التحسن جزئي ومرتبط بعوامل خارجية منها الضغوط الدولية والتهديدات بعقوبات أمريكية، وليس أثراً مباشراً للإجراءات الحكومية أو بنك عدن المركزي التي شملت إدارة الاحتياطيات وقيوداً مؤقتة على صرف العملات.

ويشدد صندوق النقد الدولي على ضرورة تنفيذ إصلاحات هيكلية تتضمّن توحيد السياسات المالية والنقدية، وتحسين تحصيل الإيرادات وإدارة النفقات، كما يطالب الصندوق برفع الدعم عن الوقود، وتحرير الدولار الجمركي، وإصلاح نظام المناقصات والمزايدات، وإعادة هيكلة الديون والمستحقات.

ووفقاً للمساجدي فإن تطبيق هذه السياسات وسط الانقسامات السياسية الحالية يواجه صعوبات كبرى، كما أن بعض الإجراءات، مثل تحرير الدولار الجمركي، سيؤدي إلى تفاقم ضغوط الأسعار على المواطنين دون مكاسب حقيقية.

النظام المصرفي اليمني بدوره أصبح خاضعاً بشكل أكبر للضغوط الخارجية أكثر من المحلية، حيث يعتمد على المعايير الدولية للبنوك المراسلة، بما في ذلك مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، في حين يفتقد تأثير البنك المركزي الداخلي والسلطات المحلية.

ولا تقتصر آثار الحرب الاقتصادية على تدمير البنية التحتية، بل تمتد لتغيير شكل الاقتصاد نفسه، حيث تتراجع فرص العمل، وتضعف مهارات الأفراد، ويزداد الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي والتحويلات خارج النظام المصرفي، كما تتراكم الديون وتعطل قدرة الحكومة على الاستثمار في الخدمات الأساسية، ما يجعل إعادة الإعمار عملية طويلة ومعقدة تتطلب وقتاً وجهداً كبيرا لإعادة بناء المؤسسات وتنظيم الاقتصاد.

إلى ذلك يمكن القول إن الاقتصاد اليمني اليوم يعيش في مرحلة حرجة بين الهشاشة والاستقرار الجزئي، حيث إن أي تحسن اقتصادي مرتبطٌ بشكل مباشر بالاستقرار السياسي النسبي والدعم الدولي، لكنه هش وغير مستدام دون إحلال سلام شامل، كما أن غياب الإصلاحات يفرض على اليمن بقاءه عرضةً لتفاقم الفقر، واستمرار التضخم، وتآكل المؤسسات، وهروب الأموال إلى الخارج.

زر الذهاب إلى الأعلى