
الاقتصاد اليمني | بقش
في وقتٍ كان يُفترض أن يشكل تحسن سعر صرف الريال اليمني انفراجة طال انتظارها، برزت المفارقة الاقتصادية والاجتماعية المعقدة، التي تتمثل في استقرار نسبي في سوق الصرف، يقابله جمود في عملية الصرافة، وجمود في الأسعار، وتآكل في القوة الشرائية لشريحة واسعة من المواطنين، خاصة مدخري العملات الأجنبية وموظفي المنظمات ومستلمي الدخل بالعملة الصعبة وغيرهم.
وبينما هبط سعر الريال السعودي إلى نحو 410 ريالات يمنية في مناطق حكومة عدن، بإقرار رسمي من بنك عدن المركزي، لم ينعكس التحسن بالقدر المتوقع على أسعار السلع والخدمات، ما أعاد الجدل حول اختلالات السوق ودور الدولة في ضبطه.
وبينما تتصاعد أزمة السيولة المحلية، واجه عائدون من السعودية صعوبات كبيرة في تحويل ما بحوزتهم من الريال السعودي إلى العملة المحلية، بعد أن رفضت بنوك وشركات صرافة تنفيذ عمليات الاستبدال أو قيّدت المبالغ بسقف لا يتجاوز 300 ريال سعودي فقط، ما وضع كثيرين في مأزق مالي فور وصولهم وفق معلومات مرصد “بقش”.
ولم تقتصر الأزمة على النوافذ التقليدية، بل امتدت إلى التطبيقات البنكية التي أوقفت عمليات المصارفة الإلكترونية من الريال السعودي إلى الريال اليمني، في خطوة أربكت المعاملات اليومية وزادت من حدة الاختناق النقدي، ودفع هذا التعطّل المواطنين إلى البحث عن سُلف نقدية بالعملة المحلية لتغطية احتياجاتهم الأساسية، في مؤشر على فجوة بين وفرة العملة الأجنبية لدى الأفراد وشح السيولة بالريال اليمني داخل السوق.
وأكد المشهد اختلالاً في إدارة السيولة وتدفق النقد بين القطاع المصرفي والسوق، حيث يتحول تحسن سعر الصرف أو توافر العملات الأجنبية إلى عبء عملي عندما تغيب القدرة على تحويلها أو استخدامها بمرونة، وسط غياب التوضيحات الرسمية الكافية، والمخاوف من اتساع الأزمة وتأثيرها المباشر على النشاط التجاري والحياة اليومية في المدينة.
تحسن نقدي بلا أثر معيشي
منذ أغسطس 2025، أظهرت التجربة أن التحسن في سعر الصرف لا يترجَم تلقائياً إلى انخفاض في الأسعار، فالسلع المستوردة، التي تمثل النسبة الأكبر من الاستهلاك المحلي، ظلت تُسعّر وفق أسعار صرف مرتفعة سابقة، فيما تمسك كثير من التجار بهوامش ربح مرتفعة تحسباً لأي انتكاسة مفاجئة في العملة، في ظل بيئة نقدية غير مستقرة.
ويعلّق الصحفي الاقتصادي “ماجد الداعري”، رئيس تحرير صحيفة مراقبون برس، على الأزمة بقوله: “قمة الظلم والقهر أن يدفع المواطن والمغترب ثمن تحسن الصرف اليوم من القيمة الشرائية لعملتهم الصعبة، ويتحول المغترب ومدخرو العملات الأجنبية وموظفو المنظمات والجهات الدولية، إلى ضحايا لتحسن صرف الريال اليمني، كونهم الخاسرين اليوم، ومن يدفعون الثمن، على حساب القيمة النقدية والشرائية لدخلهم وما لديهم من عملات أجنبية فقدت الكثير من قيمة صرفها العادلة اليوم، لصالح التجار الأشرار الكاسبين من استمرار ارتفاع الأسعار” حسب الداعري.
وأكد أن ذلك ناتج عن “استمرار فشل الحكومة وغياب أي دور لوزارة الصناعة والجهات المعنية، في ضبط الأسعار ومراقبة الأسواق، وفرض عقوبات رادعة كشطب العلامات والسجلات التجارية والإغلاق لمتاجر التجار المخالفين للتسعيرات الحكومية المفترض تجديدها، مع موجة التحسن الجديدة لصرف الريال اليمني إلى 410 ريالات للريال السعودي”.
وأشار إلى أن استمرار اختلال الوضع المصرفي يحول نعمة استقرار وتحسن صرف العملة إلى نقمة تطارد المواطن والمغترب والكثير من المتضررين من ذلك، بدلاً من أن يكونوا مستفيدين من تعافي عملتهم الوطنية.
ومن جانبه يفيد المحلل الاقتصادي “أحمد الحمادي” في تعليق لـ”بقش”، بأنّ المغترب الذي كان يحوّل ألف ريال سعودي ويحصل مقابلها على مبلغ أعلى بالريال اليمني، أصبح اليوم يحصل على أقل، وبسقف محدود للغاية، في وقت لم تنخفض فيه الأسعار فعلياً في الأسواق، وهو ما يعني تراجع القوة الشرائية للأسر المعتمدة على التحويلات، رغم تحسن العملة المحلية.
ويشير إلى أنه في الاقتصادات المستقرة، يؤدي تحسن العملة إلى انخفاض تدريجي في أسعار السلع المستوردة، أما في اليمن فإن ضعف الرقابة وغياب التسعير المنضبط وتعدد مراكز القرار النقدي، كلها عوامل تجعل الأسواق تستجيب سريعاً للارتفاع، وببطء شديد للانخفاض.
بين الاحتكار التجاري وضعف الرقابة
يحمّل كثير من المواطنين التجار مسؤولية عدم خفض الأسعار مع تحسن الصرف، معتبرين أنهم يستفيدون من الفارق ويحققون أرباحاً إضافية، بينما يرى تجار أنهم يعملون في بيئة عالية المخاطر، ويخشون أن يكون التحسن مؤقتاً ومرتبطاً بتطورات سياسية أو أمنية عابرة، فيعمدون إلى تسعير السلع وفق متوسطات مرتفعة تحوطاً لأي انهيار مفاجئ.
في المقابل، يتهم مواطنون السلطات بغياب رقابة فاعلة وضعف آليات العقوبات وعدم تحديث قوائم التسعير الرسمية، ما يفتح الباب أمام ممارسات احتكارية ومضاربات لا تعكس التكلفة الحقيقية.
ويلفت الحمادي إلى أن التحسن الحالي في سعر الصرف قد يكون هشاً إذا لم يُدعَم بإصلاحات أوسع تشمل ضبط الإنفاق العام، وتنشيط الموارد السيادية، وإعادة الثقة بالقطاع المصرفي.
والمفارقة التي يعيشها اليمن اليوم في مناطق حكومة عدن تتمثل في أن استقرار العملة – وهو مطلب شعبي قديم – تحوّل إلى مصدر سخط كونه لم ينعكس على الأسعار، إذ إن المواطن لا يقيس النجاح الاقتصادي بسعر الصرف وحده، بل بقدرته على شراء الغذاء والدواء ودفع الإيجار.
وينظر اقتصاديون أن المعالجة لا تقتصر على تحسين سعر الصرف، بل تتطلب تفعيل رقابة صارمة على الأسواق وربط التسعير بتغيرات الصرف، وشفافية أكبر في سياسات بنك عدن المركزي، وبناء احتياطات نقدية مستدامة لا تعتمد فقط على الدعم الخارجي.


