الاقتصاد اليمني
أخر الأخبار

أزمة الغاز في اليمن: اختناقات وضغوط ممتدة واعتراف حكومي بكارثيتها

الاقتصاد اليمني | بقش

تدخل أزمة الغاز المنزلي وغاز المركبات في مدينة عدن شهرها الرابع، وسط تصاعد حدّتها خلال شهر رمضان، حيث يتزايد الطلب على مادة تُعد عصب الحياة اليومية للأسر وقطاع النقل والمطاعم، ويتمثل المشهد الآن في طوابير طويلة أمام محطات التعبئة، وأسطوانات فارغة تُحمل تحت أشعة الشمس، واختناقات مرورية، وارتفاع في الأسعار الرسمية وغير الرسمية.

وتمتد الأزمة في عدن إلى باقي المحافظات، فمحافظة شبوة – على سبيل المثال – تشهد أزمة مماثلة رغم كونها تضم منشأة تصدير الغاز الطبيعي المسال في بلحاف، فيما تقول سلطات حضرموت إنها تنفذ حملات لضبط السوق وإغلاق محطات مخالفة. وفي الخلفية، تتصاعد خلافات بين وكلاء الغاز والشركة اليمنية للغاز في مأرب حول قرارات ترشيد تعبئة المركبات.

عدن والمحافظات.. حين يصبح الغاز معركة يومية

في عدن تتجسد الأزمة في ثلاثة مستويات متداخلة، أولها شح الإمدادات (النقص المستمر في الكميات الموردة للمحطات والأحياء، والطوابير والاختناقات (مئات السيارات تصطف لساعات وفق معلومات بقش، ما يربك حركة النقل ويشلّ بعض الخطوط)، والاستنزاف النفسي والمعيشي، إذ يتحدث مواطنون عن “أذى نفسي” بسبب أزمة الغاز يفوق الخسارة المالية، حيث يضيع يوم العمل بالكامل في انتظار أسطوانة غاز.

ويضاعف شهر رمضان المبارك من الأزمة، فالطلب على الغاز المنزلي يرتفع بفعل زيادة الطهي والولائم، بينما يعتمد جزء كبير من وسائل النقل العام على الغاز كوقود بديل أقل كلفة من البنزين أو الديزل، والنتيجة ضغط مزدوج على مادة واحدة.

وخلال تصاعد هذه الأزمة، وجّهت السلطة المحلية بعدن، اليوم الأحد 22 فبراير، بضرورة المعالجة العاجلة والشاملة لأزمة الغاز المنزلي في المحافظة، وقال المحافظ عبدالرحمن شيخ خلال اجتماع موسع إن السلطة المحلية ترفض أي حلول مؤقتة أو “مجتزأة”، وإن الهدف هو إنهاء الإشكالية بشكل كامل ودائم لضمان استقرار التموين.

وحسب اطلاع بقش على ما نشرته وكالة سبأ التابعة لحكومة عدن، شهد الاجتماع مناقشة مسببات الأزمة الراهنة والبحث في التدابير العملية لتخفيف معاناة المواطنين، ووجه المحافظ باتخاذ إجراءات حاسمة وفورية بعيداً عن التسويف والمماطلة. ورأى أن الحلول الجذرية هي السبيل الوحيد لضمان انتظام عمليات التوزيع والتموين في كافة مديريات العاصمة عدن.

خلص الاجتماع إلى إقرار آلية عمل مشتركة تلزم شركة الغاز بالتموين المنتظم، مع تفعيل دور الرقابة والمتابعة بين مكتب الصناعة والتجارة والسلطات المحلية في المديريات، وذلك بهدف تنظيم عملية التوزيع وضمان وصول المادة للمواطنين بمعايير تتسم بالعدالة والشفافية.

وخارج عدن، في المحافظات الأخرى، لا تقل الأزمة خطورة. يشكو السكان في محافظة شبوة التي تضم منشأة بلحاف لتصدير الغاز الطبيعي المسال، من شح الغاز المنزلي وظهور سوق سوداء تحت مسمى “الغاز التجاري”.

وفي مديرية سيئون بحضرموت، أقر مكتب الصناعة والتجارة تسعيرة رسمية اطلع عليها بقش، حُدِّدت بـ7 آلاف ريال للغاز المنزلي و12 ألف ريال للتجاري، وأُغلقت ثلاث محطات وُصفت بأنها مخالفة، في محاولة لضبط السوق محلياً.

وفي الضالع، تواصل مكاتب الصناعة والتجارة بعدد من المديريات حملات ميدانية للرقابة على محطات الغاز التجاري والبترول، وضبط أسعار البيع وإلزام أصحاب المحطات بالأسعار المقررة رسمياً، مع إحالة المتلاعبين إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

وفي أحدث التطورات، حمّل مدير مكتب التجارة بمديرية الحصين في الضالع، الجهات المعنية في مركز المحافظة المسؤولية عن الاختلالات السعرية، منتقداً غياب الرقابة على المستوردين وعدم إلزامهم بالبيع عبر “الفواتير الرسمية”، وأوضح حسب متابعة بقش أن هذا التسيب يشكل عائقاً أمام العمل الرقابي، مطالباً بحلول سريعة وتنسيق مباشر، ومؤكداً أن تقارير المخالفات التي ترفعها المديرية لا تجد استجابة رادعة من قبل قيادة المحافظة.

قرار ترشيد تعبئة المركبات يشعل خلافاً

الشركة اليمنية للغاز في مأرب أصدرت تعميماً مؤخراً حصل بقش على نسخة منه، قضى بتحديد سقف تعبئة المركبات عند 30 لتراً فقط، واشتراط مرور خمسة أيام بين كل تعبئة وأخرى، وإعطاء أولوية لغاز الطهي المنزلي.

ومن حيث المبدأ، بدا القرار أنه يعطي الأولوية لحماية الأمن الغذائي للأسر عبر ضمان غاز الطهي، لكن وكلاء للغاز اعترضوا على آلية التنفيذ، قائلين إنه لا يوجد نظام إلكتروني موحد لتتبُّع المركبات، فبعض الباصات تستهلك 20 لتراً يومياً، ما يجعل الالتزام غير واقعي، كما احتجّوا على غياب الشفافية حول الكميات المنقولة من صافر إلى المحافظات مما يفتح باب الشكوك.

ولا تزال انعكاسات الأزمة تفرض نفسها على المواطنين ومعيشتهم خلال الشهر الفضيل، في قلب اقتصاد يعاني أصلاً من تدهور العملة وتضخم مرتفع.

ويُشار إلى الوقت الضائع في الطوابير بأنه خسارة اقتصادية صافية: سائق الأجرة يخسر يوم دخل، والموظف يتغيب أو يتأخر، وصاحب المطعم يقلّص نشاطه، وفق ما قاله مواطنون.

وبينما يرتفع سعر الأسطوانة خارج القنوات الرسمية، تظهر شبكات وساطة، وتتآكل الثقة في آليات التوزيع، ولا تُعد السوق السوداء نتيجة نقص في الغاز فحسب، إنما نتيجة فقدان الثقة في عدالة التوزيع، وتراجُع الثقة بالمؤسسات الذي يعمّق الفجوة بين المواطن والدولة.

إشكالية التدخلات الآنية

المحلل الاقتصادي “أحمد الحمادي” علّق على توجيهات محافظ عدن بسرعة المعالجة ورفض الحلول المجتزأة، وقال في تصريح لـ”بقش” إن التجربة اليمنية خلال السنوات الماضية تشير إلى أن الأزمات غالباً ما تُدار بتدخلات آنية، وأن الحلول الجذرية تتطلب تنسيقاً بين المحافظات.

وأشار الحمادي إلى غياب الشفافية في نشر بيانات يومية حول الكميات المنقولة والموزعة، مما يفاقم الشكوك ويغذي روايات الفساد أو التمييز بين المناطق.

واعتبر أن الأزمة تتلخص في عدد من العوامل، أبرزها اختلال سلاسل الإمداد وتأخير النقل من صافر إلى المحافظات، وسوء توزيع الحصص، وضعف الرقابة، وارتفاع الطلب الموسمي، لافتاً إلى أن الحل يتطلب معالجة هذه المحاور مجتمعة.

وتؤرق أزمة الغاز الشارع اليمني بشدة لتعكس أزمة أعمق في إدارة الموارد والشفافية وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ففي البلاد التي أنهكتها الحرب والانقسامات، تصبح أسطوانة الغاز مقياساً يومياً لكرامة المواطن، وتصبح الطوابير مؤشراً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً على هشاشة متزايدة تقف الحكومة أمامها غير قادرة على وضع حلول جادة تحفظ لهذا المواطن كرامته.

زر الذهاب إلى الأعلى