
الاقتصاد العالمي | بقش
يشهد الدولار الأمريكي أزمة ثقة مكتملة الأركان، تتغذى على السياسة بقدر ما تتغذى على الاقتصاد، وعلى الخطاب بقدر ما تتأثر بالأرقام، حيث تواجه العملة الأمريكية موجة عزوف متنامية من المستثمرين.
هبط الدولار إلى مستويات قريبة من أدنى مستوياته في أربع سنوات، وتراجع مؤشره إلى ما دون 96 نقطة وفق تتبُّع مرصد “بقش”، في حدثٍ ليس وليد ضعف اقتصادي داخلي، فالمفارقة اللافتة أن الاقتصاد الأمريكي ما يزال، وفق معظم المؤشرات الكلية، في وضع قوي نسبياً. لكن الأسواق لا تتعامل فقط مع البيانات الصلبة، بل مع الانطباعات السياسية والتوقعات المستقبلية، وهنا تحديداً تكمن جذور الأزمة.
تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي وصف فيها الدولار بأنه “رائع” وفي “وضع ممتاز”، جاءت في توقيت بالغ الحساسية، حيث كان المتعاملون يتوقعون خطاباً أكثر اتزاناً أو إشارة تطمين للأسواق. لكن هذه التصريحات فُسرت على نطاق واسع باعتبارها استخفافاً بمخاوف المستثمرين، أو تجاهلاً مقصوداً لتراجع العملة، ما دفع إلى موجة بيع قوية، وكأن السوق تقول إن الثقة لا تُفرض بالتصريحات، بل تُبنى بالسياسات.
ومنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية عام 2025، اتسمت السياسة الأمريكية بقدر عالٍ من التقلب، سواء في ملف التجارة الدولية، أو في العلاقات مع الحلفاء، أو في الخطاب المتعلق بالسياسة النقدية واستقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهذا النهج غير المنتظم خلق حالة من الضبابية، دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الاحتفاظ بالدولار.
فالعملة التي استفادت كثيراً من استقرار المؤسسات الأمريكية، بدأت تفقد هذه الميزة تدريجياً، مع تصاعد القلق من التدخل السياسي في عمل البنك المركزي الأمريكي، وتنامي الإنفاق العام، واتساع العجز المالي، ومع أن هذه العوامل لم تنفجر دفعة واحدة، إلا أن تراكمها صنع ما يشبه “الشرخ النفسي” في علاقة الأسواق بالدولار.
عزوف عن الدولار وبدائل جاهزة
أوضح دليل على أزمة الثقة هو تحول التدفقات الاستثمارية، فاليورو صعد إلى مستوى 1.20 دولار للمرة الأولى منذ منتصف 2021، مسجلاً ارتفاعاً سنوياً بنحو 14%، مدعوماً بعزوف المستثمرين عن الدولار. ولم يكن اليورو وحده المستفيد، إذ ارتفع الفرنك السويسري بنحو 15%، وتقدمت الكرونة السويدية قرابة 20% خلال 12 شهراً، بينما اقترب الجنيه الإسترليني من أعلى مستوياته في سنوات وفق اطلاع بقش على تقارير لوكالة “رويترز”.
ويعكس هذا التحول واقعاً جديداً يؤكد أن المستثمرين لم يعودوا يرون في الدولار الخيار الافتراضي عند الاضطراب، بل باتوا يوزعون مخاطرهم على سلة أوسع من العملات، في خطوة تعكس تآكلاً تدريجياً لما يمكن تسميته “الهيمنة النفسية” للدولار.
ومن أكثر ما يلفت الانتباه في المشهد الحالي، هو التناقض بين قوة الاقتصاد الأمريكي نظرياً، وضعف عملته عملياً. فالمفترض، وفق القواعد التقليدية، أن تعكس العملة أداء الاقتصاد، لكن ما يحدث اليوم يكسر هذه القاعدة. السبب، كما تشير التقارير، لا يعود إلى الأساسيات الاقتصادية، بل إلى انعدام اليقين السياسي، وهو عامل بات أكثر تأثيراً من معدلات النمو أو التوظيف.
بعبارة أخرى، الأسواق لا تعاقب الاقتصاد الأمريكي، بل تعاقب السياسات الأمريكية، وتحديداً ذلك المزيج من الخطاب المتقلب، والتوترات التجارية، والغموض المحيط بالسياسة النقدية.
وتجاوَزَ ما يحدث حدود التذبذب الدوري، ليطرح أسئلة أعمق حول مستقبل الدولار كنقطة ارتكاز للنظام المالي العالمي.
وما يزال الحديث عن نهاية هيمنة الدولار مبكراً، لكن المؤكد، وفق التحليلات التي طالعها بقش، أن الهالة المطلقة التي أحاطت به بدأت تتصدع. فحين يفقد المستثمرون الثقة، ولو جزئياً، في العملة الأولى عالمياً، فإن ذلك يفتح الباب أمام تحولات تدريجية قد تكون بطيئة، لكنها عميقة الأثر.
ويُنظر إلى أن استمرار الإدارة الأمريكية في تجاهل إشارات السوق، أو في التقليل من شأن المخاوف المتراكمة، سيؤدي إلى تفاقم أزمة الثقة، لا سيما في عالم بات أكثر حساسية للرسائل السياسية وأكثر سرعة في إعادة توجيه رؤوس الأموال.


