أزمة رواتب حكومة عدن تتفاقم.. احتجاجات وانتقادات وغموض حول الدعم السعودي

الاقتصاد اليمني | بقش
تتصاعد أزمة صرف الرواتب في عدن والمحافظات المجاورة تحت إدارة حكومة عدن، وسط تأخر المستحقات المالية لقطاعات واسعة من الموظفين المدنيين والعسكريين، وتزايد الشكاوى والاحتجاجات الشعبية، بالتوازي مع تساؤلات متصاعدة حول مصير الدعم المالي الخارجي الذي أعلنت الحكومة عن توقيع اتفاقية بشأنه مع السعودية لتغطية الرواتب.
وفي مطلع مارس الجاري، أعلنت حكومة عدن عن توقيع اتفاقية دعم اقتصادي من السعودية بقيمة مليار و300 مليون ريال سعودي (ما يعادل نحو 346 مليون دولار)، بهدف تغطية عجز الموازنة العامة وتمويل صرف رواتب موظفي الدولة. ووقع الاتفاقية في الرياض وزير المالية المعيّن حديثاً مروان بن غانم، مع السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر.
وقالت حكومة عدن وفق متابعة بقش إن هذه المنحة ستسهم في انتظام صرف الأجور والرواتب للسلطات المركزية والمحلية والوحدات الاقتصادية، إضافةً إلى دعم الموازنة العامة التي أعلنت الحكومة إقرارها لعام 2026، وهي أول موازنة يتم الإعلان عنها منذ قرابة سبع سنوات، كما ذكر الجانب السعودي أن الدعم يأتي في إطار مساعدة اليمن على تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتخفيف الأعباء الإنسانية.
غير أن الإعلان عن هذا الدعم لم يبدد حالة الشكوك والانتقادات داخل الأوساط الإعلامية والسياسية. في إطار ذلك، قال الصحفي الاقتصادي “ماجد الداعري” رئيس تحرير صحيفة مراقبون برس، إن حكومة عدن لم تقدم حتى الآن أي دليل على وصول الأموال أو تحويلها فعلياً.
وتحدّى الداعري المسؤولين الذين شكروا السعودية على الدعم أن يُثبتوا وصول أي جزء من المبلغ المعلن، واعتبر أن استمرار تأخر الرواتب للشهر الخامس على التوالي يمثل “جريمة بحق الموظفين”، منتقداً ما وصفه بالكذب على المواطنين الذين يعانون أوضاعاً معيشية صعبة.
في مقام آخر، ذكر الداعري أن بعض الرواتب يتم صرفها بكميات كبيرة من فئة 100 ريال يمني من الطبعة الجديدة، وهي فئة يرفض كثير من التجار والصرافين التعامل بها، وهو ما يزيد من صعوبة استخدام الرواتب في الأسواق.
ويُنظر إلى أن هذه المشكلة النقدية تعكس جانباً من الأزمة النقدية الأوسع التي تعاني منها مناطق حكومة عدن مقابل توافر سيولة ضخمة من العملات الصعبة (الريال السعودي والدولار)، وهو ما أثر بشدة على معيشة المواطنين وعرقل قدرتهم على تصريف العملات الصعبة التي بحوزتهم من المدخرات والحوالات المرسَلة من الخارج، فيما لا تزال شركات صرافة وبنوك ترفض مصارفة العملات الأجنبية.
اتساع الاحتجاجات.. الرواتب متوقفة أو زهيدة أو مخصومة
على الأرض، لا تزال أزمة الرواتب تفرض نفسها رغم الإعلان عن الدعم السعودي، وبرزت تداعيات الأزمة في احتجاجات واعتصامات من قبل موظفين حكوميين وأفراد منتسبين إلى القوات الأمنية والعسكرية.
في عدن، وعلى سبيل المثال لا الحصر، واصل خريجو بلحاف من منتسبي قوات أمن عدن اعتصاماتهم المتوالية أمام مقر قيادة التحالف، للمطالبة بإعادة أسمائهم إلى كشوفات الرواتب وصرف مستحقاتهم المالية المتوقفة منذ فترة.
وقال المعتصمون إن رواتبهم كانت تُصرف سابقاً بدعم من الإمارات، قبل أن يتم استبعادهم لاحقاً من كشوفات الرواتب السعودية، مؤكدين حسب اطلاع بقش أن توقف الرواتب فاقم معاناتهم المعيشية، خصوصاً في شهر رمضان المبارك ومتطلباته المعيشية واقتراب عيد الفطر، وسط عجز كثير منهم عن توفير الاحتياجات الأساسية لأسرهم.
كما شهدت مؤسسات أمنية أخرى شكاوى مماثلة، إذ طالب منتسبو وزارة الداخلية بنقل صرف رواتبهم من بنك الإنماء إلى بنوك أخرى، بسبب التأخير المتكرر في صرف الرواتب، والذي قد يصل في بعض الأحيان إلى نصف شهر بعد إصدارها. وقال منتسبون إلى الداخلية بحكومة عدن إن هذا التأخير يزيد من صعوبة أوضاعهم الاقتصادية، مطالبين الحكومة والجهات المعنية بالتدخل لضمان انتظام عملية الصرف.
كما سادت حالة من الاستياء الواسع في صفوف جنود عقب إقدام الجهات المعنية على خصم مبالغ تصل إلى 60 ألف ريال يمني من إجمالي مرتب شهرين البالغ 120 ألف ريال حسب اطلاع بقش على ما نشرته صحيفة عدن الغد، وأكد عسكريون أن استقطاع “نصف الراتب تقريباً” يمثل عبئاً كارثياً يفاقم معاناتهم المعيشية، خاصة في ظل الارتفاع الحاد لأسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية، مما جعل الدخل المتبقي عاجزاً عن تلبية أدنى متطلبات أسرهم الضرورية.
وطالب الجنود السلطات المختصة بتقديم إيضاحات فورية حول أسباب هذه الخصميات والعمل على إيقافها، مشيرين إلى أن الكثير منهم يعتمد على المرتب العسكري كمصدر دخل وحيد، وطالبوا بمراجعة آلية الصرف لضمان وصول المستحقات كاملة دون استقطاعات، بما يسهم في تعزيز استقرارهم الوظيفي وقدرتهم على الصمود في ظل الظروف الاقتصادية القاسية.
وفي تعز، استنكرت رابطة جرحى تعز تدنّي الرواتب وعدم تسويتها مع بقية التشكيلات العسكرية في محافظات حكومة عدن. وقالت الرابطة في بيان أخير حصل بقش على نسخة منه، إن الجرحى فُوجئوا بصرف راتبين فقط بمبلغ إجمالي قدره 58,000 ريال يمني، وهو مبلغ وصفته الرابطة بأنه لا يلبي الحد الأدنى من متطلبات الحياة. وأكدت أن الجرحى لا يطالبون بامتيازات خاصة، وإنما بتسوية رواتبهم أسوة ببقية التشكيلات العسكرية التي تتلقى مستحقاتها بالعملة السعودية.
ومنذ فترة غير قصيرة تطالب رابطة جرحى تعز بمستحقاتهم، وتؤكد أن تجاهل مطالب الجرحى وفئة أسر الشهداء يمثّل إهانة لتضحياتهم.
وبمحافظة مأرب، أثار عدد من منتسبي الجيش تساؤلات ومطالب حادة لحكومة عدن والتحالف بقيادة السعودية، بشأن التفاوت الكبير في آلية صرف الرواتب بين التشكيلات العسكرية، حيث يتقاضى الجندي في بعض الوحدات قرابة 55 ألف ريال يمني (ما يعادل نحو 120 ريالاً سعودياً) حسب معلومات بقش، بينما تتقاضى وحدات أخرى مبالغ تبدأ من 1000 ريال سعودي، وأكد جنود أن هذا التمييز يخلق شعوراً بعدم المساواة والإحباط لدى الأفراد المرابطين في الجبهات، خاصة في ظل انهيار القيمة الشرائية للعملة المحلية.
كما ناشد الجنود الجهات المعنية لتوحيد معايير الصرف وصرف المستحقات بعملة موحدة لجميع منتسبي القوات العسكرية لضمان العدالة الاجتماعية، وأشاروا إلى أن حاجتهم للإنصاف تتضاعف مع اقتراب عيد الفطر وتصاعد تكاليف المعيشة، معربين عن أملهم في معالجة هذا الملف العالق على وجه السرعة لتحسين أوضاعهم المادية وتمكينهم من مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة.
قطاع التعليم بدوره يشكو من الإهمال وتأخر الحوافز، ففي عدة محافظات مثل حضرموت وأبين يعبّر المعلمون عن استيائهم الشديد من استمرار تأخر الحوافز والمزايا التي وعدت بها الجهات المعنية خلال الأشهر الماضية، ويقول المعلمون إنهم لم يحصلوا على أي دعم إضافي أو مكرمات رغم الوعود المتكررة، في وقت يعانون فيه من تدني الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويشدد المعلمون على أن استمرار تجاهل مطالبهم قد ينعكس سلباً على استقرار العملية التعليمية، وأن إنصاف المعلم وتحسين أوضاعه المعيشية يمثلان شرطاً أساسياً للحفاظ على استقرار التعليم في البلاد، ما لم فإن الفترات المقبلة ستشهد تصعيداً تربوياً يعطل مسار العملية التعليمية.
وتكشف هذه التطورات أن الأزمة المالية والإدارية التي تواجهها حكومة عدن في إدارة ملف الرواتب، تُبرز ضعفاً في الإدارة مقابل الاعتماد الكبير على الدعم الخارجي، ومع استمرار تأخر الرواتب وتصاعد الاحتجاجات في عدد من القطاعات، وكذلك صرف رواتب بكميات كبيرة من فئة 100 ريال، تقف حكومة عدن موقف المساءلة عن تفاقم الأزمة، ومضطرةً لإيجاد حلول عاجلة تضمن انتظام صرف الرواتب وتخفيف الضغوط المعيشية المتزايدة على الموظفين وأسرهم، في مشهد اقتصادي متهالك قابل للانفجار في أي لحظة.


