
الاقتصاد العالمي | بقش
تتحرك الحكومات على امتداد الجغرافيا الدولية كمن يطفئ حرائق متزامنة في أكثر من جبهة، إذ تسبّب ارتفاع أسعار الوقود في أزمة شاملة تداخلت فيها الجغرافيا السياسية مع أمن الإمدادات، وانعكست مباشرةً على معيشة مئات الملايين من الأسر.
وفي سياق ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الطوارئ”، اتجهت الحكومات إلى أدوات استثنائية، أبرزها حظر الصادرات، والسحب من الاحتياطيات، ودعم الأسعار، وحتى إعادة تشغيل مصادر طاقة كانت في طريقها إلى التراجع بيئياً، مثل الفحم. ووفق اطلاع “بقش” على تقرير لـ”رويترز”، فإن ذلك يعبّر عن إدراك متزايد بأن استقرار الأنظمة بات مرتبطاً مباشرةً بقدرتها على حماية المستهلك من صدمات الطاقة.
آسيا: تأمين الداخل أولاً
في آسيا، حيث الكثافة السكانية العالية والاعتماد الكبير على الاستيراد، مُنحت الأولوية لحماية السوق المحلية. الهند، التي تدير واحدة من أكبر شبكات الاستهلاك في العالم، أعادت ترتيب أولوياتها الطاقية عبر مراجعة صادرات الوقود، والتلويح بتقييدها إذا اقتضت الضرورة، كما فعّلت صلاحيات الطوارئ لزيادة إنتاج غاز الطهي، مع تقليص الإمدادات للصناعة لضمان وصول الطاقة إلى مئات الملايين من المنازل.
الصين بدورها بادرت إلى حظر صادرات الوقود المكرر كإجراء استباقي لتجنب أي نقص داخلي، في خطوة تؤكد أن بكين تنظر إلى الطاقة بوصفها مسألة أمن قومي، ولجأت إلى استخدام احتياطياتها من الأسمدة، في إشارة إلى إدراكها للترابط بين الطاقة والغذاء.
أما كوريا الجنوبية واليابان فاختارتا إعادة الاعتبار للفحم والطاقة النووية، حيث رفعت كوريا تشغيل محطاتها النووية إلى مستويات مرتفعة وخففت القيود على الفحم، بينما قررت طوكيو تخفيف القيود على محطات الفحم لمدة عام كامل حسب تتبع بقش، وفي الوقت ذاته تسعى طوكيو لتأمين إمدادات الغاز عبر الضغط على مورديها، خصوصاً أستراليا.
أوروبا وآسيا.. رحلة البحث عن الوقود
في أوروبا يبقى الشارع أكثر حساسية تجاه أسعار الطاقة المرتفعة، وتتخذ الحكومات مساراً مزدوجاً، ما بين تخفيف العبء المالي على المواطنين، ومحاولة ضبط السوق دون خنقها. ويناقش الاتحاد الأوروبي وفق مراجعة بقش تخفيضات ضريبية ودعماً مباشراً للأسر، بينما تتحرك دول مثل إيطاليا وإسبانيا بخطوات أكثر جرأة، تشمل خفض الرسوم على الوقود والكهرباء، والتلويح بفرض ضرائب إضافية على الشركات التي تستغل الأزمة لتحقيق أرباح مفرطة.
وفي جنوب وشرق أوروبا تظهر الإجراءات أكثر حدة، ففي صربيا تم تخفيض الرسوم على النفط الخام بنسبة كبيرة وتمديد حظر التصدير، وفرضت سلوفينيا قيوداً على شراء الوقود لمنع التخزين والمضاربة، بينما لجأت اليونان إلى حزمة دعم مالي تشمل الوقود والأسمدة وتكاليف النقل البحري. وفي الوقت الراهن تخشى أوروبا من تكرار سيناريوهات الاحتجاجات الشعبية التي رافقت أزمات الطاقة السابقة.
أما في دول جنوب وجنوب شرق آسيا، فتتخذ الأزمة طابعاً أكثر حدة بسبب محدودية الموارد. بنغلادش تبحث عن تمويل خارجي بمليارات الدولارات لتأمين وارداتها، في حين تتجه كمبوديا إلى تنويع مصادرها عبر استيراد الوقود من سنغافورة وماليزيا لتعويض النقص.
وفتحت تايلاند قنوات مع روسيا لشراء النفط، كما تسعى إلى تثبيت أسعار الديزل ودعم السلع الأساسية، في محاولة لاحتواء التضخم. واختارت إندونيسيا تعزيز إنتاج الفحم وفرض ضرائب على الصادرات، إلى جانب تسريع برنامج الوقود الحيوي، في خطوة تجمع بين البراغماتية الاقتصادية ومحاولة تقليل الاعتماد على النفط.
أفريقيا وأمريكا اللاتينية.. دعم مباشر وتأجيل للأزمة
في أفريقيا وأمريكا اللاتينية تُعد الهشاشة أكبر، وتركز الحكومات على إجراءات سريعة لاحتواء الغضب الشعبي. ففي جنوب أفريقيا مثلاً خفضت ضريبة الوقود مؤقتاً، وقلصت ناميبيا الرسوم إلى النصف، بينما زادت إثيوبيا الدعم المباشر.
وذهاباً إلى أمريكا الجنوبية، اتخذت الحكومة في البرازيل خطوة لافتة بإلغاء الضرائب الاتحادية على الديزل، في محاولة لتخفيف الضغط على قطاع النقل.
ولجأت مصر إلى إجراء مختلف يعكس خصوصية وضعها، حيث حددت سقفاً لسعر الخبز غير المدعم، في إقرار ضمني بأن أزمة الطاقة ستنتقل سريعاً إلى أسعار الغذاء. كما أقرت القاهرة إطفاء الأنوار العامة والاستهلاك الكهربائي في المحلات بدءاً من الساعة التاسعة مساءً.
من ترشيد الاستهلاك إلى ضبط الأسواق
بعض الدول ذهبت إلى أدوات غير تقليدية، إذ علقت الفلبين تداول الكهرباء في السوق الفورية، وفعّلت صندوق طوارئ ضخماً، وتسعى للحصول على استثناءات لاستيراد النفط من دول خاضعة للعقوبات.
في المقابل، اختارت دول مثل موريشيوس وسريلانكا فرض قيود على استهلاك الطاقة، بما يشمل تقليص الاستخدامات غير الضرورية، في محاولة لإدارة الطلب بدلاً من السعي فقط لزيادة العرض.
فيتنام تمثل نموذجاً مختلفاً، إذ قررت تسريع التحول إلى الوقود الحيوي، في محاولة لتحويل الأزمة إلى فرصة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، رغم أن هذا التحول يحمل تحدياته الخاصة.
ما يَجمع كل هذه السياسات، رغم اختلافها، هو الإدراك العميق بأن الطاقة باتت ركيزة للأمن القومي والاستقرار الاجتماعي، حيث يشهد العالم اليوم انتقالاً إلى نزعة حمائية، بمنح الأولوية للمواطنين حتى لو كان ذلك على حساب السوق العالمية، لكن هذه الإجراءات، رغم ضرورتها، تحمل في طياتها مخاطر مستقبلية.
فحظر الصادرات قد يؤدي إلى اختناقات في الإمدادات العالمية، والدعم الحكومي قد يثقل كاهل الموازنات، والعودة إلى الفحم قد تعرقل أهداف المناخ، وفي النهاية تبدو الأزمة لحظة مفصلية للعلاقة بين الدولة والسوق، وبين السياسة والاقتصاد، وبين الأمن والمعيشة، وفي حال استمرار الحرب واضطراب الإمدادات النفطية فإن المشهد العالمي ينذر بمزيد من التعقيد.


