الاقتصاد اليمني
أخر الأخبار

عدن: أزمة الانتقالي بين “حل المجلس” ونفيه.. و10 مليارات ريال تحرم الموظفين من رواتبهم

الاقتصاد اليمني | بقش

تأكَّد وجود انقسامات عميقة داخل المجلس الانتقالي إثر هروب رئيسه عيدروس الزبيدي إلى أبوظبي، فضلاً عن آثار مالية واقتصادية ملموسة على الدولة والمواطنين.

فبينما أعلن المجلس الانتقالي حل نفسه رسمياً من العاصمة السعودية الرياض، تبع ذلك نفي صريح من القيادة الرسمية عبر الموقع الرسمي للمجلس الانتقالي (الذي لا يزال يصف الزبيدي كقائد للمجلس)، ما يسلط الضوء على تضارب البيانات الرسمية وأزمات الثقة الداخلية والخارجية في الجنوب.

وأمس الجمعة أعلن الأمين العام للمجلس الانتقالي عبدالرحمن الصبيحي، حل المجلس وكافة هيئاته وأجهزته، وإلغاء جميع المكاتب في الداخل والخارج، وجاء الإعلان “حرصاً على مستقبل قضية الجنوب وصون السلم والأمن في الجنوب ودول الجوار”، واستجابة للمستجدات السياسية الراهنة التي لم يعد فيها استمرار المجلس يخدم أهدافه الأصلية، فيما قُرئ هذا الإعلان بأنه جاء عقب ضغط من المملكة.

ووفق تحليلات تتبَّعها “بقش”، يمثل هذا القرار نهاية مرحلة تاريخية للمجلس الذي تأسس في مايو 2017، وسيطر على مؤسسات وأذرع عسكرية وأمنية متعددة في الجنوب، ما منح قياداته نفوذاً واسعاً على الأرض.

كما ربط محللون خطوة الحل بتحول دبلوماسي واضح نحو السعودية، بعد أن كانت أغلب التوجهات السابقة تميل إلى الإمارات، وهو ما يعكس رغبة الرياض في توحيد القرار السياسي وتعزيز الشرعية على المستوى المحلي والإقليمي.

وجاء هذا الإعلان أيضاً في ظل أزمة داخلية للمجلس، شملت اتهامات للمجلس بالفساد المالي والإداري في الأجهزة السابقة، وجبايات استُنفدت من بنك عدن المركزي، إضافةً إلى ارتكاب بعض الأذرع الأمنية التابعة للمجلس لجرائم سابقة.

التضارب: نفي رسمي للحل

لكن سرعان ما كشف الواقع عن تضارب رسمي صارخ، فقد نفى موقع المجلس الانتقالي اليوم السبت حل المجلس، واصفاً إعلان الأمين العام بأنه “باطل” ومصدره جهة غير مختصة، وصدر تحت الإكراه والضغط.

وقال المجلس في موقعه حسب اطلاع بقش، إن أعضاءه في الرياض تعرضوا للاعتقال والإجبار على إصدار بيانات تحت التهديد، ودعا إلى استمرار الاحتجاجات الجماهيرية في الجنوب، محذراً من أي محاولات للتضييق على أنشطته السياسية.

هذا الانقسام بين ما أعلن داخلياً (حل المجلس) وبين النفي، أبرز هشاشة البنية المؤسسية للمجلس، وصعوبة التحكم في الخطاب الإعلامي والسياسي، وعَكَس انقسامات جوهرية بين قياداته، خصوصاً في ظل النفوذ الإماراتي والسعودي المتناقض على الساحة الجنوبية.

في السياق، أعلنت السلطات المحلية في عدن اليوم السبت عن تعليق إقامة أي مظاهرات أو تجمعات أو فعاليات جماهيرية خلال الفترة الحالية لدواعٍ أمنية.

وجاءت الخطوة على خلفية التطورات السياسية المتسارعة في المدينة والمحافظات الجنوبية الأخرى، وبالتزامن مع دعوات للتظاهر أُعلنت مساء أمس الجمعة.

إذ دعت الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي إلى تنظيم مظاهرات اليوم السبت في عدن والمكلا احتجاجاً على ما وصفته بـ”أي حلول منقوصة تستهدف القضية الجنوبية”.

وقالت سلطات عدن إنها ليست ضد المظاهرات كحق مكفول من حيث المبدأ، لكنها ترى أن التوقيت الحالي غير مناسب في ظل أوضاع أمنية وصفتها بالصعبة والحرجة، مشيرةً إلى وجود مخاوف من “استغلال أي تحركات سلمية من قبل جهات متربصة، عبر الاندساس في المظاهرات وجرّها نحو العنف، بما قد يهدد المؤسسات العامة والممتلكات الخاصة ويقوّض السكينة العامة في المدينة”.

وأظهر حظر التظاهر توتراً أمنياً وضع سكان الجنوب أمام واقع معقد بين النفوذ السياسي والحقوق المدنية.

الأزمة المالية: 10 مليارات شهرياً للمجلس

موازاةً مع التضارب السياسي، كُشف عن تفاصيل مالية صادمة تابعها بقش توضح كيف استغل المجلس الانتقالي نفوذه لفرض مطالب مالية على حكومة عدن.

فبعد شهر واحد من تشكيل المجلس الرئاسي في أبريل 2022، عقد الزبيدي اجتماعاً مع حكومة عدن مطالباً بصرف 10 مليارات ريال شهرياً للمجلس، كشرط لاستمرار عمل الحكومة من عدن.

وتمت العملية بطريقة غير قانونية، إذ اعتُبرت الأموال “مصاريف المجلس الانتقالي” وبدأ الصرف الشهري من وزارة المالية مباشرةً، تحت بند عائم عبر عدة بنوك، بما في ذلك البنك الأهلي (حكومي) وبنك عدن المركزي، ثم إلى بنوك تجارية خاصة.

الآثار الكارثية لهذه العملية ظهرت سريعاً على القطاعات المدنية، حيث تحولت مخصصات التعليم والصحة والزراعة وغيرها لصالح هذا الصرف، ما أدى إلى توقف رواتب موظفي الدولة لأول مرة منذ عقود.

وحاول رؤساء وزراء لاحقون، مثل أحمد بن مبارك وسالم بن بريك، الحد من الصرف أو التملص منه، لكنهم اضطروا للاستمرار تحت التهديد، ما يوضح حجم النفوذ الذي مارسه المجلس الانتقالي على المؤسسات المالية للدولة وفقاً للتحليلات.

ودعا ناشطون، مثل الصحفي فتحي بن لزرق، إلى وقف كافة الجبايات غير القانونية المفروضة في عدد من المحافظات، وتحويل إيراداتها إلى بنك عدن المركزي، مطالبين بإغلاق شركتي النفط “إسناد” و”فقم” المملوكتين لعيدروس الزبيدي، والمتهمتين بإدخال الوقود منذ سنوات دون دفع أي ضرائب للدولة.

ورأى محللون أيضاً أن الاستحواذ على المال العام يمتد إلى مختلف الفصائل المدعومة من التحالف، بما فيها قوات العميد طارق صالح في الساحل الغربي.

هذا وأدى الصرف غير القانوني للمال العام إلى تفاقم أزمة رواتب القطاعات المدنية، وزاد من الضغط على الموازنة العامة، كما أدى إلى تحويل الموارد من الخدمات الأساسية إلى تغذية نفوذ المجلس، ما كشف أثر الفساد المالي المباشر على المواطنين والاقتصاد المحلي.

هذا وتجسد الأحداث الأخيرة مزيجاً من الصراعات السياسية الداخلية، والتدخلات الإقليمية، والانقسامات القيادية، مع تأثيرات مالية مباشرة على المواطنين والدولة.

والأزمة المالية التي أحدثها صرف 10 مليارات ريال شهرياً للمجلس الانتقالي، وما يرافقها من ملفات الفساد، مقابل توقف رواتب القطاعات المدنية، مثّلت -وفقاً لاقتصاديين- صورةً حية لكيفية تداخل النفوذ السياسي مع إدارة الموارد العامة، في حين أبرزَ تضارُبُ البيانات الرسمية المعلن عن المجلس هشاشة مؤسسية وعجز عن توحيد الخطاب السياسي.

زر الذهاب إلى الأعلى