الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

أطماع أمريكا.. جزيرة جرينلاند تدعو لحوار منفرد وأوروبا تستدعي “القانون الدولي”

الاقتصاد العالمي | بقش

يتصاعد الجدل الدولي حول مستقبل جزيرة جرينلاند، وتختلف المواقف المحلية والأوروبية والدولية، لتكشف عن مشهد جيوسياسي بالغ التعقيد تتداخل فيه طموحات الاستقلال وحسابات السيادة ومصالح الأمن القومي والصراع على الموارد الحيوية.

إذ برزت أخيراً تطورات تمثّلت في تحرك سياسي من داخل جرينلاند باتجاه واشنطن، وموقف أوروبي حازم دفاعاً عن “القانون الدولي”، ونفي قاطع من دول شمال أوروبا لذرائع أمريكية تتعلق بتهديدات صينية وروسية مزعومة.

موقف جرينلاند

وزيرة الخارجية فيفيان موتزفيلدت دعت إلى عقد اجتماع منفرد مع الولايات المتحدة من دون مشاركة الدنمارك، في خطوة تعكس رغبة متنامية لدى السلطات المحلية في أن تكون صاحبة الصوت الأول في أي نقاش يتعلق بمصير الجزيرة.

وجاء هذا الطرح في سياق توتر متصاعد بين جرينلاند وكوبنهاجن، تغذّيه رغبة واشنطن المعلنة في شراء الجزيرة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.

وتستعد الأطراف الثلاثة، الولايات المتحدة والدنمارك وجرينلاند، لعقد أول اجتماع ثلاثي جوهري الأسبوع المقبل وفق متابعات “بقش”، يضم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ونظيريه الدنماركي ووزير خارجية جرينلاند.

ورغم إقرار موتزفيلدت بأن الاجتماع سيكون ثلاثياً، فإنها شددت على أن جرينلاند “يجب أن تكون في طليعة أي محادثات مع الولايات المتحدة”، معتبرةً أن العلاقة مع واشنطن باتت حاجة متبادلة، متسائلةً: “ما الخطأ في أن تعقد جرينلاند اجتماعات منفردة مع الولايات المتحدة؟”.

وترافَقَ التحرك الرسمي في الجزيرة مع ضغوط سياسية داخلية، حيث دعا سياسيون من المعارضة، وعلى رأسهم بيلي بروبرج زعيم حزب “ناليراك”، إلى السماح لجرينلاند بالتفاوض المباشر مع الولايات المتحدة، معتبرين أن على الآخرين التراجع خطوة إلى الوراء ومنح سكان الجزيرة حرية تقرير ما يريدون.

فجرت هذه الدعوات خلافات حادة بين برلمان جرينلاند ونظيره الدنماركي، ظهرت إلى العلن خلال اجتماع مشترك للجنتي الشؤون الخارجية عبر الاتصال المرئي، انتهى بالنزاع.

وانتقدت بيبالوك لينج، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في برلمان جرينلاند، عقد مناقشات حول الجزيرة من دون مشاركة ممثليها، ووصفت هذا السلوك بأنه “طريقة استعمارية جديدة لإقصائنا” حسب اطلاع بقش، في توصيف يعكس عمق الحساسية التاريخية والسياسية التي تحيط بالعلاقة بين الطرفين.

في المقابل، تتمسك كوبنهاجن بموقفها الدستوري، إذ تتحمل رسمياً مسؤولية السياسة الخارجية والأمنية لجرينلاند، رغم أن الجزيرة تتمتع بحكم ذاتي واسع في مجالات أخرى.

كما يساور القلق المسؤولين الدنماركيين من أن تكون واشنطن قد غيّرت تكتيكها، منتقلة من الضغط المباشر على الدنمارك لشراء الجزيرة إلى محاولة فتح قناة تفاوض مباشرة مع نوك.

أوروبا تدخل على الخط: القانون الدولي وسيادة الدول

في موازاة هذا السجال، برز موقف أوروبي حاد من برلين، حيث أكد وزير المالية الألماني ونائب المستشار لارس كلينجبايل، في تصريحات تتبَّعها بقش، أنّ مبادئ القانون الدولي تنطبق على الجميع “بما في ذلك الولايات المتحدة”، في إشارة صريحة إلى تصريحات ترامب وتهديداته بالاستيلاء على جرينلاند.

وشدد كلينجبايل على أن القرار بشأن مستقبل الجزيرة يعود حصرياً إلى الدنمارك وجرينلاند، داعياً إلى احترام السيادة والسلامة الإقليمية.

وحذّر من أن أي محاولة أمريكية للاستحواذ على جزيرة غنية بالمعادن في القطب الشمالي من دولة حليفة تاريخياً لواشنطن قد تُحدث صدمة داخل حلف شمال الأطلسي، وتعمّق الانقسام بين الولايات المتحدة والقادة الأوروبيين.

وأكد المسؤول الألماني أن أمن القطب الشمالي يُعزَّز عبر التعاون داخل الناتو، وليس من خلال مواجهات بين الحلفاء، في رسالة تهدف إلى نزع الطابع التصعيدي عن الخطاب الأمريكي، وإعادته إلى إطار الشراكة الغربية.

المعادن الحيوية.. البعد الاقتصادي للصراع

ولم يقتصر الموقف الألماني على الجانب القانوني والسياسي، بل ربط قضية جرينلاند بالسباق العالمي على المعادن الحيوية.

فقد أشار وزير المالية الألماني، قبيل مشاركته في اجتماع وزراء مالية مجموعة السبع في واشنطن، إلى أن تأمين هذه المعادن بات أولوية للدول الغربية في ظل السعي لتقليل الاعتماد على الصين، التي تهيمن على سلاسل إمداد المعادن الأرضية النادرة.

ووفقاً لبيانات اطلع عليها بقش من وكالة الطاقة الدولية، تسيطر الصين على ما بين 47% و87% من عمليات تكرير معادن استراتيجية مثل النحاس والليثيوم والكوبالت والجرافيت والمواد الأرضية النادرة.

ومن هذا المنظور، تكتسب جرينلاند، الغنية بالموارد الطبيعية، أهمية استثنائية، ليس فقط للولايات المتحدة، بل أيضاً لأوروبا التي تبحث عن تنويع مصادرها وتعزيز أمن الإمدادات من خلال التعاون الدولي ووضع أطر اقتصادية فعالة.

وعلى خط موازٍ، سعت دول شمال أوروبا إلى تفكيك المبررات الأمنية التي يسوقها الرئيس الأمريكي لتبرير رغبته في ضم جرينلاند.

فقد نفى دبلوماسيون كبار، استناداً إلى تقارير استخباراتية لحلف الناتو، وجود أي سفن أو غواصات روسية أو صينية تعمل بالقرب من الجزيرة خلال السنوات الأخيرة.

وأكد أحد هؤلاء الدبلوماسيين، بشكل قاطع، أنه لا توجد دلائل على هذا الوجود، بينما أوضح آخر أن النشاط الروسي أو الصيني في القطب الشمالي يتركز على الجانب الروسي، وليس في المياه المحيطة بجرينلاند.

كما انضم وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيدي إلى هذا النفي، مؤكداً أن النشاط حول جرينلاند “ضئيل للغاية”.

هذه التصريحات جاءت رداً مباشراً على تصريحات ترامب المتكررة، التي زعم فيها أن جرينلاند “مغطاة بالسفن الروسية والصينية”، محذراً من أن عدم تحرك الولايات المتحدة قد يفتح الباب أمام سيطرة موسكو أو بكين على الجزيرة.

الصين خارج المعادلة حتى الآن

في المقابل، تشير معطيات من كوبنهاجن ونوك إلى تراجع النفوذ الصيني في جرينلاند خلال السنوات الأخيرة. فقد أكدت السلطات أن بكين لم تُبدِ اهتماماً يُذكر منذ أن رفضت الدنمارك، تحت ضغط أمريكي، مشاركة صينية في مشاريع بناء مطارات على الجزيرة.

كما أوضح مسؤولون في جرينلاند أن الصين كانت تمتلك حصصاً صغيرة في بعض مشاريع التعدين، لكنها توقفت عن العمل فيها لاحقاً.

وفي السياق ذاته، شددت الصين رسمياً على احترامها الكامل لسيادة الدنمارك وسلامة أراضيها، ما يقوّض الرواية الأمريكية التي تُبرز بكين بوصفها تهديداً مباشراً في جرينلاند.

بين التعاون الأمني ورفض البيع

رغم هذه التوترات، تبدي كل من الدنمارك وجرينلاند انفتاحاً على تعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة في القطب الشمالي، ولا سيما في ما يتعلق بتأمين ممر “جرينلاند – آيسلندا – بريطانيا” البحري ذي الأهمية الاستراتيجية.

لكن هذا الانفتاح يقترن بموقف حاسم لا لبس فيه: جرينلاند ليست للبيع.

وقد عبّر قادة الأحزاب الخمسة في برلمان جرينلاند عن هذا الموقف في بيان مشترك، قالوا فيه بصراحة: “لا نريد أن نكون أمريكيين، ولا نريد أن نكون دنماركيين، نريد أن نكون من جرينلاند”.

وتكشف هذه التطورات أن قضية جرينلاند أصبحت معتركاً لتوازنات السيادة والقانون الدولي داخل المعسكر الغربي، وساحة تنافس على الموارد والنفوذ في القطب الشمالي، وبين طموح جرينلاند للاستقلال، وحرص الدنمارك على صلاحياتها الدستورية، وتمسك أوروبا بقواعد النظام الدولي، وسعي الولايات المتحدة إلى تأمين مصالحها الاستراتيجية، تبدو الجزيرة الصغيرة جغرافياً في قلب معادلة عالمية أكبر بكثير من حدودها وعدد سكانها البالغ نحو 57 ألف نسمة.

زر الذهاب إلى الأعلى