
الاقتصاد العالمي | بقش
مع اقتراب زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين نهاية شهر مارس المقبل، تتسارع التحركات في واشنطن وبكين لإعادة ترتيب الملفات التجارية العالقة، وسط رسائل متبادلة تمزج بين التهدئة والتحذير، في مشهد يعكس استمرار التنافس الاستراتيجي بين أكبر اقتصادين في العالم.
وحسب آخر التصريحات التي يتابعها “بقش”، قال الممثل التجاري الأمريكي جيمسون غرير إن إدارة ترامب تعتزم الإبقاء على الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات الصينية ضمن نطاق يتراوح بين 35% و50%، مشيراً إلى أن واشنطن لا تخطط لتصعيد إضافي في المرحلة الحالية، لكنها في الوقت نفسه لا ترى مبرراً لخفض الرسوم القائمة.
هذه التصريحات جاءت في وقت أثار فيه قرار صادر عن المحكمة العليا الأمريكية بإبطال رسوم ترامب الشاملة حالةً من الغموض حول مستقبل سياسة التعريفات، وفي حين وجدت إدارة ترامب نفسها أمام ضغوط بسبب هذا الحكم الذي قطع عليها الكثير من الترتيبات المالية، قال مسؤولون أمريكيون إن الحكم لا يمس غالبية الرسوم السارية، وإن المستوى الحالي سيبقى أداة ضغط رئيسية في المفاوضات.
اقتصاديون قدّروا متوسط الرسوم الأمريكية المفروضة على الصين حالياً بنحو 24%، بينما تحدثت الإدارة عن معدل قد يصل إلى 40% وفق طرق احتساب مختلفة، ما يعكس تعقيد بنية الرسوم وتداخلها بين قطاعات متعددة.
بكين تحذّر.. وباب المشاورات مفتوح
في المقابل، حذّرت الصين مؤخراً من أنها ستتخذ “جميع الإجراءات اللازمة” إذا مضت واشنطن في فرض رسوم جديدة حسب متابعة بقش، مؤكدة تمسكها بآلية التشاور القائمة بموجب اتفاق التجارة الموقع عام 2020، والمعروف باتفاق “المرحلة الأولى”.
ومن المقرر أن يصل ترامب إلى بكين في 31 مارس لعقد لقاء مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، في زيارة تُعد الأولى لرئيس أمريكي إلى الصين منذ عام 2017، وتكتسب القمة المرتقبة أهمية خاصة بسبب تراجع أوراق الضغط الأمريكية بعد قرار المحكمة، ما يفتح المجال أمام بكين لتحسين موقعها التفاوضي.
وتُجري الولايات المتحدة حالياً مراجعة لمدى التزام الصين باتفاق المرحلة الأولى، الذي تعهدت بكين بموجبه بزيادة مشترياتها من السلع والخدمات الأمريكية بمئات المليارات من الدولارات خلال فترة محددة، ووفق تقديرات منشورة تتبَّعها بقش، لم تتحقق سوى نحو 60% من المستهدفات المتفق عليها.
لكن وزارة التجارة الصينية تؤكد أن بكين التزمت بتعهداتها في ما يتعلق بحماية الملكية الفكرية، وفتح قطاعات مالية وزراعية، رغم الاضطرابات التي أحدثتها جائحة كورونا في سلاسل الإمداد والتجارة العالمية، كما تتهم الصين واشنطن بتقويض تنفيذ الاتفاق عبر تشديد قيود التصدير، وفرض قيود على الاستثمارات، وتوسيع إجراءات ترى أنها تعرقل التدفقات التجارية الطبيعية.
أوراق ضغط متبادلة
في حال تعثر المفاوضات، يمتلك الطرفان أدوات تصعيد مؤثرة كما جاء في تحليل لبلومبيرغ، فالصين قد تعيد فرض قيود على صادرات المعادن الأرضية النادرة، التي تدخل في صناعات استراتيجية مثل الإلكترونيات والطاقة المتجددة والدفاع، وفي المقابل تملك الولايات المتحدة نفوذاً مهماً في مجالات برمجيات تصميم الرقائق، ومحركات الطائرات، وقطع الغيار ذات الحساسية التقنية العالية.
ورغم هذا التوازن الحذر، يبدو أن الجانبين يحاولان تجنب جولة جديدة من الحرب التجارية الشاملة، في ظل تباطؤ اقتصادي عالمي وضغوط داخلية على النمو، ولوحظ أن خطاب “حالة الاتحاد” الأخير لترامب، أمس الأربعاء، خلا من الإشارة المباشرة إلى الصين، في سابقة منذ نحو 20 عاماً، وهو ما اعتُبر إشارةً إلى رغبة أمريكية في تخفيف النبرة العلنية قبيل القمة.
هذا وأدى حكم المحكمة إلى إدخال عنصر جديد من عدم اليقين في مسار الهدنة التجارية، إذ أضعف جزئياً قدرة البيت الأبيض على المناورة أو التلويح برسوم طارئة واسعة النطاق، ومع ذلك ما تزال الرسوم القائمة تشكل عبئاً ملموساً على التجارة الثنائية، وتؤثر في قرارات الشركات متعددة الجنسيات بشأن سلاسل الإمداد والاستثمار.
خلاصة المشهد الراهن أن واشنطن وبكين تتجهان إلى القمة المرتقبة وهما تحملان مزيجاً من الرسائل المتشددة والاستعدادات التفاوضية، فبينما تؤكد الولايات المتحدة تمسكها بمستوى الرسوم الحالي، تصر الصين على حقها في الرد إذا استُخدمت التحقيقات التجارية ذريعة لفرض قيود جديدة.
ولن تحسم القمة التنافس الاستراتيجي بين البلدين، لكنها قد تحدد شكل المرحلة المقبلة، فإما تثبيت هدنة تجارية معدلة، أو العودة إلى مسار تصعيد تدريجي يعيد رسم خريطة التجارة العالمية بين أكبر اقتصادين في العالم.


