تقارير
أخر الأخبار

أولويات الإنفاق الدفاعي تضطرب.. كيف غيّرت احتجاجات المزارعين المشهد في أوروبا؟

تقارير | بقش

تواجه المفوضية الأوروبية -الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي- مأزقاً متصاعداً في مساعيها لإعادة هيكلة ميزانية الاتحاد للفترة الممتدة بين عامي 2028 و2034، بسبب موجة اعتراضات واسعة تقودها دول في جنوب ووسط أوروبا، مدعومة باتحادات المزارعين ونواب في البرلمان الأوروبي.

هذه المعارضة تهدد خطة رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين الرامية إلى تحويل مسارات إنفاق تصل قيمتها إلى نحو تريليونَي يورو (2.3 تريليون دولار)، من الدعم الزراعي والإقليمي التقليدي إلى مجالات الدفاع وتعزيز القدرات الصناعية.

ووفق اطلاع مرصد “بقش” على ما نشرته صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية، فإن الخطة الأوروبية تستهدف تقليص المخصصات الموجهة للمزارعين والمناطق الأقل نمواً، التي شكّلت لعقود الركيزة الأساسية لميزانية الاتحاد، مقابل ضخ استثمارات أكبر في الصناعات الاستراتيجية والإنفاق العسكري.

لكن هذا التوجه اصطدم بجدار سياسي صلب تقوده دول مثل فرنسا وإسبانيا، التي تعتمد بشكل كبير على الدعم الزراعي والإقليمي.

وتحت ضغط الاحتجاجات الزراعية والتحركات السياسية، اضطرت المفوضية إلى إدخال سلسلة من التنازلات، ما أثار مخاوف متزايدة لدى منتقدي هذه التراجعات من إضعاف مرونة الميزانية الأوروبية وقدرتها على الاستجابة لأزمات مستقبلية.

كما ساهمت هذه التطورات في تعميق الانقسام القائم بين دول شمال أوروبا، الداعمة للإصلاحات الهيكلية، ودول الجنوب والوسط المستفيدة من الوضع المالي القائم.

وترتكز الرؤية الأصلية لفون دير لاين على إعادة توجيه مئات المليارات من اليوروهات بعيداً عن السياسة الزراعية المشتركة والمدفوعات الإقليمية، نحو أولويات جديدة تشمل الدفاع والتنافسية الصناعية، في محاولة لتكييف ميزانية الاتحاد مع المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية.

انقسام أوروبي حاد بين الشمال والجنوب

تمرير هذه التحولات يواجه صعوبات كبيرة، إذ تصر دول شمال أوروبا الغنية، التي تساهم في الميزانية أكثر مما تحصل عليه، على ضرورة تحديث آليات الإنفاق، في حين تعارض دول جنوب ووسط أوروبا أي تقليص يمس الدعم الزراعي والمخصصات الموجهة للمناطق الأقل ثراءً.

وخلال أقل من ستة أشهر على طرح المفوضية أولوياتها الجديدة، تحركت عدة حكومات أوروبية لتشكيل جبهة سياسية تهدف إلى تعطيل أو إلغاء عناصر أساسية من مقترح الميزانية وفق متابعات بقش، ما وضع المشروع برمته أمام اختبار سياسي صعب.

في سياق متصل، كشفت المفوضية الأوروبية عن حزمة تدابير لتخفيف القيود ضمن السياسة الزراعية المشتركة، في محاولة لاحتواء الاحتجاجات الواسعة التي يخوضها المزارعون اعتراضاً على سياسات “الصفقة الخضراء”.

كان أحدث تنازل قدمته فون دير لاين، الأسبوع الماضي، هو السماح للدول الأعضاء بزيادة إنفاقها على دعم المزارعين بما يصل إلى 45 مليار يورو إضافية، في خطوة اعتُبرت رضوخاً لضغوط قوى نافذة تسعى للحفاظ على بنية الميزانية الحالية دون تغييرات جوهرية.

وثمة حالة من الاستياء المتنامي تسود عواصم شمال أوروبا، نتيجة محاولات متكررة من بعض الحكومات الوطنية وجماعات المصالح لإجهاض أي إصلاحات حقيقية وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه.

هذه الدول أبدت انزعاجاً خاصاً من نجاح فرنسا وإيطاليا، الأسبوع الماضي، في انتزاع تنازلات إضافية لصالح القطاع الزراعي، ضمن تحركات دبلوماسية مرتبطة بمحاولات تمرير اتفاق التجارة المتعثر بين الاتحاد الأوروبي وتكتل “ميركوسور” في أمريكا الجنوبية.

تاريخ طويل للدعم الزراعي

تشير البيانات التي تتبَّعها بقش إلى أن السياسة الزراعية المشتركة استحوذت على 46% من ميزانية الاتحاد الأوروبي عام 2004. أما المقترح الجديد للفترة 2028–2034، فقد خفّض هذه الحصة إلى حد أدنى يقارب 25% من إجمالي الميزانية، مع منح الحكومات مرونة لإنفاق نسب أعلى إذا رغبت في ذلك.

وكان اقتراح تحديث الميزانية، الذي طُرح في يوليو الماضي، قد أحدث صدمة سياسية في بروكسل وخارجها، إذ أسهم في توحيد تحالف متباين يضم مزارعين محتجين، وزعماء أقاليم، ونواباً في البرلمان الأوروبي، جميعهم يخشون فقدان التمويل والنفوذ في السنوات المقبلة.

وليست هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها فون دير لاين إلى تعديل مقترحاتها لتفادي أزمات سياسية، ففي نوفمبر الماضي اضطرت المفوضية إلى إدخال تغييرات على الخطة الأصلية لاحتواء تمرد داخل حزبها، حزب الشعب الأوروبي، الذي واجه بدوره ضغوطاً من نقابات المزارعين وقادة الأقاليم.

احتجاجات المزارعين.. هزة أوروبية

تشهد مؤسسات الاتحاد الأوروبي تصاعداً ملحوظاً في حدة التوتر السياسي والاقتصادي، تزامناً مع اقتراب موعد التوقيع الرسمي على اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل “ميركوسور” المقرر في 17 يناير الجاري بالعاصمة الباراغوانية أسونسيون.

يأتي ذلك في ظل موجة احتجاجات واسعة يقودها مزارعون أوروبيون يعتبرون الاتفاق تهديداً مباشراً لمستقبل الزراعة في القارة، وسط انقسام متزايد داخل بروكسل بشأن جدواه الاقتصادية وتداعياته الاستراتيجية.

ووفق اطلاع بقش، تُعد اتفاقية الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركوسور إطاراً تجارياً شاملاً يربط أوروبا بدول أمريكا الجنوبية، وفي مقدمتها البرازيل والأرجنتين وأوروجواي وباراغواي. وتهدف الاتفاقية إلى تخفيف القيود الجمركية وتسهيل حركة السلع بين الطرفين، بما يسمح بدخول منتجات زراعية مثل اللحوم والحبوب إلى الأسواق الأوروبية بسهولة أكبر، مقابل فتح أسواق دول ميركوسور أمام الصادرات الصناعية الأوروبية، خصوصاً السيارات والمعدات والآلات.

ولا تقتصر الاتفاقية على تبادل تجاري تقليدي، بل تتضمن منظومة قواعد تتعلق بحماية الاستثمارات، والملكية الفكرية، وضمان المنافسة العادلة، إلى جانب بنود بيئية وتنظيمية تهدف، وفقاً للقائمين عليها، إلى تحقيق توازن بين الانفتاح الاقتصادي والحفاظ على المعايير الدولية.

لكن هذه الطموحات الاقتصادية تصطدم بمخاوف عميقة لدى القطاع الزراعي الأوروبي. إذ يحذر مزارعون في دول عدة، من بينها فرنسا وبولندا وإيرلندا وبلجيكا، من أن الاتفاق سيُغرق الأسواق الأوروبية بمنتجات زراعية أقل كلفة مصدرها دول ميركوسور، حيث تختلف ظروف الإنتاج والمعايير البيئية والصحية عن تلك المفروضة في الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي قد يضعف القدرة التنافسية للمزارعين الأوروبيين ويدفع بعضهم إلى الخروج من السوق.

وفي باريس، شهدت الأيام الماضية تصعيداً جديداً للاحتجاجات التي تابعها بقش، حيث أعاد المزارعون جراراتهم إلى الشوارع وأغلقوا محيط البرلمان ومناطق مركزية قرب جادة الشانزليزيه، في رسالة احتجاج واضحة موجهة للحكومة الفرنسية وللمؤسسات الأوروبية، مؤكدين رفضهم للاتفاق بصيغته الحالية وتحذيرهم من تأثيره على الأمن الغذائي المحلي.

وامتدت موجة الغضب إلى دول أخرى، إذ أغلق محتجون في بلجيكا الطرق المؤدية إلى المقار الأوروبية في بروكسل، فيما نظم المزارعون في إيرلندا تحركات مماثلة رافعين شعارات ترفض “ميركوسور” وتطالب بحماية الزراعة الأوروبية، وتعكس هذه التحركات اتساع رقعة الاعتراض الشعبي على الاتفاق داخل القارة.

وتسعى المفوضية الأوروبية إلى احتواء الخلافات عبر إدخال آليات رقابة إضافية، من بينها أدوات لمراقبة تدفق الواردات الزراعية وإمكانية تفعيل “فرامل طوارئ” في حال تعرض الأسواق المحلية لخسائر جسيمة، فضلًا عن رصد مليارات اليوروهات لدعم تكيف القطاع الزراعي الأوروبي مع الاتفاق.

إلا أن هذه الوعود لم تنجح في تهدئة غضب المزارعين، الذين يرون أن الفجوة الكبيرة في تكاليف الإنتاج والمعايير التنظيمية بين الجانبين تجعل تلك الإجراءات غير كافية. وقد شهدت دول أخرى، بينها اليونان ومناطق ريفية مختلفة، تحركات احتجاجية تمثلت في قطع الطرق والتعبير عن رفض الواردات الزراعية منخفضة السعر.

ومع اقتراب موعد التوقيع، يتجه المشهد نحو مزيد من التصعيد، إذ يؤكد المزارعون الأوروبيون أنهم سيواصلون تحركاتهم حتى بعد التوقيع الرسمي، في حال صادق البرلمان الأوروبي على الاتفاق، مع الإعلان عن تظاهرات جديدة مرتقبة في ستراسبورغ وعواصم أوروبية أخرى خلال الأسابيع المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى