تقارير
أخر الأخبار

إسرائيل تكشف خطّة لإنعاش صادرات السلاح لتعويض العائدات التي تبخّرت في الحرب

تقارير | بقش

بعد عامين من حرب استنزفت صورتها السياسية واقتصادها العسكري، تعود إسرائيل إلى محاولة إنقاذ قطاعها الأكثر ربحاً: تجارة السلاح. فالمبيعات التي شكّلت لعقود ركيزة مالية ثابتة، تراجعت بشكل غير مسبوق بفعل المقاطعات، وتجميد العقود الأوروبية، وتضرّر سمعة الصناعات الدفاعية في ظل حرب غزة.

ومع هذا الانكماش، أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية سلسلة تسهيلات واسعة تهدف إلى إعادة قطاع التصدير العسكري إلى أرقامه القياسية التي بلغت 14.8 مليار دولار عام 2024 وفق متابعة بقش.

ورغم أن إسرائيل تُعد واحدة من أكبر مصدّري التكنولوجيا العسكرية في العالم، فإن الضغوط الدولية، وخصوصاً الأوروبية، جعلت السوق التقليدية أكثر تقلباً، ودفع تل أبيب إلى البحث عن أسواق “أقل حساسية سياسياً”. الإعلان عن توسيع قائمة الدول المسموح لها باستيراد الأسلحة جاء في هذا السياق، ورُوّج له كخطوة “اقتصادية دفاعية” لاستعادة مكانة إسرائيل كسوق حربية عالمية.

ومع ذلك، فإن توسيع نطاق التصدير لا يأتي من موقع قوة. فالصناعة الحربية الإسرائيلية تواجه فائض مخزون، وتراجعاً في الطلب، وطلبات مؤجلة بقيمة 250 مليار شيكل (76.1 مليار دولار) حسب تتبُّع بقش، إضافةً إلى رفض متزايد في دول غربية التعامل مع الشركات المرتبطة مباشرة بجرائم الحرب في غزة. ومع استمرار حالة التجميد، يرى محللون أن إسرائيل تتحرك الآن بدافع الضرورة وليس بدافع القدرة.

محاولة إنعاش قطاع مضروب بالمقاطعة

أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية عن تسهيلات “استثنائية” تشمل تخفيف إجراءات الترخيص، والسماح لشركات إضافية بدخول سوق التصدير، وتوسيع قائمة الدول التي يمكن البيع لها دون المرور بإجراءات معقدة. ويأتي ذلك في محاولة واضحة لتعويض التراجع الحاد في المبيعات خلال العامين الماضيين.

وتشير التقارير إلى أن الصادرات العسكرية الإسرائيلية وصلت ذروتها في 2024 عند 14.8 مليار دولار، وهو رقم جعل إسرائيل ثامن أكبر مصدّر للسلاح عالمياً. لكن هذا النمو توقف فجأة مع اندلاع حرب غزة واتساع المقاطعات، خصوصاً في أوروبا حيث جُمّدت عقود بقيمة مليار يورو في إسبانيا وحدها، إضافة إلى 600 مليون دولار من دول أوروبية أخرى.

ووفق “زمان يسرائيل”، فإن حكومة الاحتلال تسعى إلى استعادة هذا المستوى من المبيعات عبر “فتح أسواق جديدة” قد لا تبدي حساسية سياسية تجاه سجل إسرائيل العسكري. غير أن هذه الاستراتيجية تعكس إدراكاً بأن الأسواق التقليدية باتت غير آمنة لإسرائيل، وأن التوجه نحو دول أخرى يحمل مخاطره الخاصة، خصوصاً في ما يتعلق بسرية الصفقات.

ويأتي تصريح مدير عام وزارة الدفاع أمير برعام ليؤكد هذه الأزمة حين قال إن توسيع التصدير “ضرورة لبناء قوة الجيش وتمويل الابتكار العسكري المقبل”. وهي صياغة تعترف ضمناً بأن الميزانية العسكرية لم تعد قادرة على تمويل عمليات التطوير دون عائدات التصدير.

أسواق جديدة… وسرية أعمق

واحدة من أكثر الخطوات إثارة للجدل تمثلت في توسعة قائمة الدول “المسموح” لها بشراء السلاح الإسرائيلي، وهي قائمة لا تكشفها تل أبيب لا للكنيست ولا للرأي العام، بحجة “الأمن القومي”. ومع ذلك، فإن آلاف الشركات الإسرائيلية على علم بهذه القائمة بعد توقيعها على تعهّدات بالسرية.

وبحسب الصحافة الإسرائيلية، فإن عدد الدول سيزداد “بعدة عشرات”، ما يعني أن إسرائيل تتجه نحو بناء شبكة بيع واسعة تعتمد على دول لا تسأل كثيراً عن الاستخدام النهائي للسلاح أو خلفيات الشركات المنتجة. هذا التوسع يعكس رغبة إسرائيل في خلق حزام أسواق بديلة بعيداً عن أوروبا وأميركا الشمالية.

إلى جانب ذلك، جرى تخفيف تصنيف عدد من الأسلحة من “سري” إلى “غير سري”، بهدف تسهيل بيعها دون قيود. وتكشف هذه الخطوة عن مستوى الضائقة الذي تعيشه الشركات العسكرية، إذ يحتاج جزء كبير من المخزون إلى تصريف عاجل للحفاظ على خطوط الإنتاج.

ورغم الانتقادات داخل الكنيست بشأن تكتّم وزارة الدفاع على أسماء الدول المستوردة، أصرّ وزير الدفاع يسرائيل كاتس على الإبقاء على سياسة السرية، مؤكداً أن “الأمن أولاً”. لكن محللين يرون أن السرية هنا ليست أمنية بقدر ما هي اقتصادية وسياسية، خوفاً من ردود فعل دولية إذا كُشف عن قائمة الدول الجديدة.

أرباح مفقودة وطلبات مجمّدة

تضرر القطاع الدفاعي الإسرائيلي بشكل مباشر من الحرب، إذ فقد عدداً كبيراً من العقود الخارجية التي كانت تمثل العمود الفقري لأرباحه. فشركة “رافائيل” و“إلبيت سيستمز” و“صناعات الفضاء الإسرائيلية” تواجه اليوم ضغطاً غير مسبوق حسب متابعة بقش بسبب طلبات مؤجلة تزيد على 250 مليار شيكل.

وتشير البيانات الحكومية إلى أن صادرات الأسلحة عام 2025 كانت أقل بكثير من معدلات السنوات السابقة، رغم ارتفاع مشتريات الجيش الإسرائيلي نفسه. لكن هذه المشتريات لا تُعوّض عن فقدان العقود الدولية التي كانت تغذي الأرباح وتُستخدم في تمويل الابتكار الحربي.

تقارير إسرائيلية يتابعها بقش ترى أن المشكلة لا تكمن فقط في تراجع المبيعات، بل في تغيّر المزاج العالمي تجاه الشركات الإسرائيلية، خصوصاً بعد نشر صور التحقيقات ومشاهد الدمار في غزة. وبحسب “يديعوت أحرونوت”، فإن عدداً من الدول الأوروبية بات يرفض “تأمين قطع غيار حساسة” تُستخدم في السلاح الإسرائيلي.

كما أن العقوبات الاقتصادية غير الرسمية، إضافة إلى غضب الرأي العام في الدول الغربية، جعلت صفقات كثيرة “سياسياً غير ممكنة”، حتى لو كانت قانونياً قابلة للتنفيذ. وهذا يعني أن إسرائيل تواجه أزمة مزدوجة: خسارة أسواق قائمة، وصعوبة فتح أسواق جديدة من دون تسهيلات واسعة.

الصناعة الإسرائيلية… بين الإنكار ومحاولات إعادة التموضع

تواصل إسرائيل تقديم خطتها الجديدة على أنها “تطوير طبيعي” لسياسات التصدير، لكن معظم التحليلات تشير بوضوح إلى أنها محاولة إسعاف لقطاع يتعرض لضربة إستراتيجية. ففي السنوات الماضية، كانت إسرائيل تعتمد على “سمعة الكفاءة” لتسويق منتجاتها، أما اليوم فهي تواجه صورة عالمية مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان.

وتعترف وزارة الدفاع بأن أحد أهداف السياسة الجديدة هو “زيادة الاستثمار في تطوير المفاجآت المقبلة”، ما يعني أن تل أبيب تخشى انخفاض القدرة على إنتاج أنظمة تسليح متقدمة إذا استمرت الأزمة المالية. وتقول دوائر اقتصادية إن الأمر يتعلق أيضاً بقدرة إسرائيل على الاحتفاظ بالمهندسين والباحثين في الشركات الدفاعية التي تعتمد بشكل مباشر على العقود الخارجية.

كما يلفت خبراء إلى أن إسرائيل تخشى أن يؤدي استمرار التراجع إلى فقدان موقعها بين أكبر عشر دول مصدّرة للسلاح، وهو موقع مهم سياسياً واقتصادياً ويعطيها نفوذاً في ملفات متعددة. ولهذا السبب تتجه إسرائيل إلى “فتح كل الأبواب الممكنة”، حتى لو تضمن ذلك بيع أسلحة لم تكن تُباع سابقاً بشكل علني.

ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر يكمن في أن إسرائيل تريد العودة إلى رقم 14.8 مليار دولار بسرعة، لكنها تواجه سوقاً عالمية تغيّرت، ودولاً باتت أكثر حذراً في التعامل معها، وصورة سياسية مُحمّلة بسجلات ثقيلة من الحرب.

لا تبدو التسهيلات التي أعلنتها إسرائيل مجرد خطوة اقتصادية، بل محاولة لإعادة بناء شبكة نفوذ عالمية اهتزّت بشدة بعد حرب غزة. فالصادرات العسكرية ليست مجرد تجارة بالنسبة لإسرائيل، بل جزء من “هيبة الدولة” وأحد أهم مصادر تمويل الجيش والتطوير التقني.

لكن الطريق إلى التعافي لن يكون سهلاً. فالمقاطعات الأوروبية، وتراجع الثقة السياسية، ورفض بعض الدول التعامل مع شركات متورطة في جرائم حرب، تجعل حلم عودة المبيعات إلى ذروة 2024 بعيداً في المدى القريب. وحتى لو نجحت تل أبيب في إيجاد أسواق جديدة، فإنها ستبقى أسواقاً محفوفة بالمخاطر السياسية والاقتصادية.

وما بين واقع اقتصادي يتراجع، وقطاع دفاعي يحتاج إلى عائدات مستمرة، تجد إسرائيل نفسها مضطرة لتوسيع التصدير بأي ثمن. لكن الثمن الأكبر قد يكون مستقبل سمعتها الدولية، التي باتت تتآكل مع كل تقرير جديد عن آثار حرب غزة، وكل صفقة سلاح تفقدها تحت ضغط الشعوب والبرلمانات حول العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى