ارتباك تجاري ومالي في أمريكا بعد إبطال رسوم ترامب: الجمارك توقف التحصيل والأسواق تحسب كلفة 170 مليار دولار

الاقتصاد العالمي | بقش
دخلت السياسة التجارية الأمريكية منعطفاً حاداً بعد أن أعلنت وكالة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية، اليوم الإثنين، عن وقف تحصيل رسوم ترامب الجمركية التي فُرضت استناداً إلى قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، تنفيذاً لحكم المحكمة العليا الأمريكية الذي قضى بعدم قانونية تلك الرسوم.
وهذا القرار، الذي كان يُفترض أن يشكّل متنفساً للأسواق، تحول سريعاً إلى مصدر جديد للضبابية المالية والنقدية، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن العجز والدين العام ومسار التضخم.
وقف التحصيل.. لكن بلا وضوح
وفق اطلاع “بقش” على إعلانها، قالت وكالة الجمارك إنها ستوقف، اعتباراً من الساعة 12:01 صباح الثلاثاء بتوقيت شرق الولايات المتحدة، جميع رموز الرسوم الجمركية المرتبطة بالأوامر التنفيذية السابقة لترامب، والمستندة إلى قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية، وجاء القرار بعد أكثر من ثلاثة أيام على صدور حكم المحكمة الذي أبطل الأساس القانوني لهذه الرسوم.
غير أن رسالة الوكالة الموجهة إلى شركات الشحن عبر أنظمة الرسائل الخاصة لم تتضمن أي توضيح بشأن سبب استمرار التحصيل في الأيام التي تلت الحكم، كما لم تقدم إجابات حول آلية أو جدول زمني محتمل لرد المبالغ التي دُفعت بالفعل من قبل المستوردين.
وفي الوقت ذاته، شددت الوكالة على أن وقف التحصيل لا يشمل الرسوم المفروضة بموجب قوانين أخرى، من بينها المادة 232 الخاصة بالأمن القومي والمادة 301 المتعلقة بالممارسات التجارية غير العادلة، ما يعني أن جزءاً مهماً من البنية الجمركية التي أُعيد تشكيلها خلال السنوات الماضية سيظل قائماً.
وتزامن وقف التحصيل مع إعلان ترامب عن فرض رسوم جمركية عالمية جديدة بنسبة 15% استناداً إلى سلطة قانونية مختلفة، في محاولة لسد الفراغ الذي خلّفه حكم المحكمة، لكن هذه الرسوم البديلة محددة بمدة 150 يوماً فقط، ولم تتضح بعد آليات تطبيقها أو قائمة الدول والسلع التي ستشملها بشكل نهائي.
وكانت بعض الدول، مثل بريطانيا وأستراليا، تخضع سابقاً لمعدلات بحدود 10% حسب متابعات بقش، فيما فُرضت نسب أعلى على عدد من الاقتصادات الآسيوية.
وأرسلت إعادة خلط الأوراق بهذه السرعة إشارات متضاربة للأسواق. فمن جهة، الرسوم البديلة أقل وطأة نسبياً، ما قد يخفف الضغوط التضخمية في الأمد القصير، ومن جهة أخرى فإن تقليص صلاحيات الرئيس التنفيذية في هذا الملف يفتح الباب أمام صدامات سياسية وتشريعية جديدة قد تعمّق حالة عدم اليقين.
170 مليار دولار يُنتظر استردادها
القضية الأكثر حساسية تتعلق بالمبالغ التي جُمعت بالفعل، إذ تشير التقارير التي يتتبَّعها بقش إلى أن إيرادات الرسوم الجمركية التي فُرضت بموجب قانون الطوارئ تجاوزت 175 مليار دولار حتى الآن، ولم تتطرق المحكمة العليا صراحةً إلى آلية رد هذه المبالغ، وهو ما ترك المجال مفتوحاً أمام موجة من الدعاوى القضائية قد تمتد لأشهر في المحاكم الأدنى درجة.
في حال إلزام الحكومة برد الأموال، فإن الخزانة الأمريكية قد تجد نفسها أمام فجوة مالية تقارب 170 مليار دولار، ما قد يضطرها إلى زيادة إصدارات الدَّين العام.
ورغم أن هذا الرقم يُعد متواضعاً مقارنة بإجمالي إيرادات سنوية تفوق خمسة تريليونات دولار، فإن حساسيته تكمن في توقيته، إذ يأتي في ظل عجز مرتفع أصلاً وضغوط تمويلية متزايدة على أمريكا.
وكان مكتب الميزانية في الكونجرس قدّر سابقاً أن الرسوم الجمركية التي أقرّها ترامب يمكن أن تدر نحو 300 مليار دولار سنوياً خلال العقد المقبل، ما يجعل إبطالها أو تقليصها عاملاً مؤثراً في الحسابات المالية بعيدة المدى.
سندات الخزانة في قلب العاصفة
بعد صدور الحكم، لم تتجه الأسواق إلى الارتياح بقدر ما انشغلت بإعادة تسعير المخاطر، فقد تراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى نحو 4.071%، بانخفاض 1.4 نقطة أساس خلال تعاملات اليوم الإثنين حسب قراءات بقش، فيما هبطت عوائد الثلاثين عاماً إلى 4.716%، ورغم أن هذه التحركات تبدو محدودة، فإنها تعكس حالة ترقب حذرة إزاء ما قد يحدث لاحقاً.
بعض مديري الاستثمار حذروا من أن أي التزام برد الرسوم سيعني زيادة في إصدارات السندات، وهو ما قد يدفع منحنى العائد إلى مزيد من الانحدار، خاصة في ظل عجز مالي يُنظر إليه على أنه “خارج السيطرة” بالفعل، ويرى هؤلاء وفق رويترز أن التركيز الحالي على تراجع التضخم المحتمل قد يكون قصير النظر إذا ما أُخذت في الاعتبار التداعيات الهيكلية على المالية العامة.
في المقابل، يقلل فريق آخر من المخاوف، معتبراً أن وزارة الخزانة يمكن أن تموّل أي فجوة إضافية عبر أدوات دين قصيرة الأجل، وأن الإدارة الأمريكية قد تبحث عن بدائل إيرادية أخرى تعوّض جزئياً ما فُقد من الرسوم الملغاة.
الدولار يتراجع و”الملاذات الآمنة” تنتعش
على صعيد العملات، انخفض الدولار بنحو 0.4% مقابل اليورو في التعاملات الآسيوية، لتتسع خسائره إلى قرابة 12% منذ بداية الولاية الثانية لترامب مطلع 2025، كما تعززت عملات الملاذ الآمن مثل الفرنك السويسري والين الياباني، في إشارة إلى تزايد الحذر العالمي تجاه الأصول الأمريكية.
وتقول رويترز إن قرار المحكمة يمكن قراءته من زاوية إيجابية، باعتباره تجسيداً لفعالية مبدأ الضوابط والتوازنات في النظام الأمريكي، وهو ما قد يخفف على المدى المتوسط من علاوة المخاطر المرتبطة بالأصول المقومة بالدولار، غير أن هذا الأثر الإيجابي المحتمل يتزاحم مع مخاوف أخرى تتعلق بالتضخم والسيولة.
فمع خفض الرسوم وتدفق السيولة، قد يتعزز النمو في الأمد القصير، لكن ذلك قد ينعكس أيضاً في صورة ضغوط سعرية جديدة، ما يضع مجلس الاحتياطي الاتحادي أمام معادلة دقيقة بين دعم الاقتصاد وكبح التضخم.
ولم تمر التحركات الأمريكية من دون صدى خارجي، إذ أثار الإعلان السريع عن رسوم بديلة بنسبة 15% قلقاً في العواصم الأوروبية، في وقت يتزايد فيه الحديث عن تصعيد تجاري محتمل، وإلغاء أوروبا للاتفاقية التجارية مع واشنطن. أما في آسيا، فقد بدت العقود الآجلة أكثر استقراراً، لكن حالة الترقب بقيت السمة الأبرز.
ويرى محللون في مؤسسات مالية كبرى تتبَّع بقش تقديراتهم أن المخاطر المرتبطة بالتصعيد التجاري باتت أعلى مما كانت عليه قبل عام، خاصة في ظل إظهار بعض القادة الأوروبيين استعداداً أكبر لاتخاذ مواقف متشددة دفاعاً عن مصالحهم التجارية.
الواقع يقول إن حكم المحكمة العليا لم يُنهِ الجدل حول الرسوم الجمركية، لكنه أعاد تشكيله في إطار جديد تتداخل فيه الاعتبارات القانونية مع الحسابات المالية والنقدية، فبين احتمال رد مليارات الدولارات، وفرض رسوم بديلة مؤقتة، وقلق الأسواق من توسع العجز، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام اختبار مركب يمس مصداقية سياساتها التجارية واستقرارها المالي في آن واحد.
الأسواق الآن تراقب نسب الرسوم وتراقب أيضاً حدود السلطة التنفيذية، وقدرة المؤسسات الأمريكية على إدارة خلافاتها الداخلية من دون إرباك النظام المالي العالمي، وأمام هذه المعادلة المعقدة، تُطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الأزمة ستتحول إلى تصحيح منظم لمسار السياسة التجارية، أم إلى شرارة لموجة جديدة من التقلبات في أكبر اقتصاد في العالم.


