استقلال البنوك المركزية مهدد.. دعم دولي لـ”جيروم باول” وتحذيرات رسمية من فوضى مالية في أمريكا

الاقتصاد العالمي | بقش
تصاعد الجدل السياسي والمؤسسي حول استقلال مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في قضيةٍ تجاوزت حدود الولايات المتحدة لتتحول إلى شأن دولي يمس استقرار الأسواق وثقة المستثمرين بالإطار المالي العالمي ككل.
وفي أحدث التطورات التي يتتبَّعها مرصد “بقش”، قاد البنك المركزي الأوروبي موقفاً دولياً داعماً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول، عبر بيان مشترك باسم مجلس محافظيه، وقّعه عدد من أبرز صناع السياسة النقدية في العالم، من بينهم كريستين لاغارد، ومحافظو بنوك إنجلترا والسويد والدنمارك وسويسرا وكندا وأستراليا وكوريا الجنوبية والبرازيل، إضافةً إلى مسؤولي بنك التسويات الدولية.
أكد البيان أن استقلالية البنوك المركزية تمثل ركناً أساسياً في استقرار الأسعار، والاستقرار المالي، ودعم النمو الاقتصادي، مشدداً على أن هذه الاستقلالية ليست امتيازاً مؤسسياً، بل ضرورة تصب في مصلحة المواطنين الذين تخدمهم المؤسسات النقدية وفق قراءة بقش.
كما شدد البيان على أن الحفاظ على استقلال السياسة النقدية يظل عاملاً حاسماً لضمان فاعلية القرارات، لا سيما في فترات التقلب الاقتصادي، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية والمالية، مع التأكيد في الوقت ذاته على احترام سيادة القانون وآليات المساءلة الديمقراطية.
ورأى الموقّعون أن أداء باول اتسم بالنزاهة وحسن التقدير والالتزام بالمصلحة العامة، معتبرين أن القضية تتجاوز شخص رئيس الاحتياطي الفيدرالي، لتطال حماية الإطار المؤسسي الذي يقوم عليه النظام المالي العالمي. ويعكس هذا الإجماع الدولي إدراكاً مشتركاً بأن استقلال البنوك المركزية يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الضغوط قصيرة الأجل، ويساعد على تحقيق توازن دقيق بين مكافحة التضخم ودعم النمو.
تحقيق داخلي يهز الأسواق
بالتوازي مع هذا الدعم الدولي، تتصاعد داخل الولايات المتحدة تداعيات التحقيق الجنائي الذي فتحه مكتب الادعاء العام في واشنطن بحق جيروم باول، على خلفية اتهامات من إدارة ترامب تتعلق بتقديم معلومات غير دقيقة بشأن تكاليف تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي.
وفي تطور لافت، حذّر وزير الخزانة الأمريكي “سكوت بيسنت” الرئيس دونالد ترامب، خلال اتصال هاتفي، من أن التحقيق أحدثَ “فوضى” في الأسواق المالية، وأن تداعياته السلبية بدأت تظهر بالفعل.
وفق موقع “أكسيوس” الأمريكي، تراجَع الدولار الأمريكي وارتفعت عوائد السندات وأسعار الذهب على نحو كبير، في مؤشر واضح على قلق المستثمرين من احتمال تدخل سياسي مباشر في عمل البنك المركزي.
وأفاد الموقع بأن بيسنت “غير راضٍ” عن مجريات التحقيق، وقد أوصل هذه الرسالة بوضوح إلى ترامب، رغم تأكيد وزارة الخزانة لاحقاً عدم وجود خلاف في وجهات النظر بين الوزير وترامب، ونفيها أن تكون المصادر الواردة في التقرير تمثل موقف بيسنت رسمياً.
ملابسات غير مسبوقة وتشكيك سياسي
حسب موقع “أكسيوس”، أطلق مكتب المدعية العامة جينين بيرو التحقيق من دون إخطار مسبق لوزارة الخزانة أو كبار مسؤولي البيت الأبيض أو وزارة العدل، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة.
وفي المقابل، أصدر باول بياناً مصوراً نادراً نفى فيه ارتكاب أي مخالفات، وذهب أبعد من ذلك باتهام إدارة ترامب باستخدام وزارة العدل “كسلاح سياسي”، بسبب رفض باول خفض أسعار الفائدة بالوتيرة والعمق اللذين كان الرئيس يطالب بهما.
قال باول وفق اطلاع بقش إن التهديد بتوجيه اتهامات جنائية جاء نتيجة تمسك الاحتياطي الفيدرالي بتحديد أسعار الفائدة بناءً على أفضل تقييم مهني يخدم المصلحة العامة، وليس وفق تفضيلات سياسية. هذا الموقف عزز المخاوف داخل الأوساط النقدية الدولية من أن تتحول القضية إلى سابقة تهدد استقلال السياسة النقدية في أكبر اقتصاد في العالم.
وداخلياً، تعهد السناتور الجمهوري توم تيليس بعرقلة أي تحرك لتعيين بديل لباول في ظل التحقيق، معتبراً أن مصداقية وزارة العدل أصبحت محل تساؤل. في المقابل، امتنعت وزارة العدل عن التعليق على التحقيقات الجارية، بينما أفاد مصدر في الإدارة بأن المدعية العامة تصرفت من تلقاء نفسها.
كما أُثيرت تكهنات حول دور محتمل لمدير الوكالة الفيدرالية لتمويل الإسكان بيل بولت في الدفع نحو فتح التحقيق، وهو ما نفاه بولت بشكل قاطع، مؤكداً أن وزارة العدل خارج نطاق صلاحياته ولا علم له بالأمر.
حسابات معقدة مع اقتراب نهاية الولاية
تزداد تعقيدات المشهد مع اقتراب انتهاء ولاية باول في مايو 2026، إذ كانت الإدارة تأمل أن يتنحى مبكراً فور ترشيح بديل له من قبل ترامب.
إلا أن وسائل الإعلام الأمريكية تقول إن باول بات متمسكاً بمنصبه في ظل التحقيق، وهو ما أربك الحسابات السياسية والإدارية، وأدخل العلاقة بين البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي في مرحلة أكثر توتراً.
من جانبه، نفى ترامب علمه بمذكرات الاستدعاء الصادرة، لكنه لم يتردد في انتقاد أداء باول، سواء في إدارة السياسة النقدية أو في ملف تجديد مباني الاحتياطي الفيدرالي.
ورأت مصادر أمريكية أن هذه التصريحات توحي بأن الرئيس قد لا يتدخل لوقف التحقيق، رغم إظهاره قدراً من الاحترام لتحذيرات وزير الخزانة.
هذه التطورات تكشف عن اختبار قائم لاستقلالية البنوك المركزية في مواجهة الضغوط السياسية، ليس فقط داخل الولايات المتحدة، بل على مستوى النظام المالي العالمي بأسره.
فالدعم الدولي الواسع لباول، والتحذيرات الصريحة من “فوضى مالية”، يعكسان خشية حقيقية من أن يؤدي تسييس السياسة النقدية إلى زعزعة الثقة بالأسواق، وتقويض التوازن الدقيق بين استقرار الأسعار ودعم النمو.
وفي حين تترقب الأسواق مآلات التحقيق ومسار العلاقة بين البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي، يبقى السؤال المطروح حول نجاح المؤسسات النقدية في تحصين استقلالها أمام العواصف السياسية، أم إن هذه الأزمة ستفتح فصلاً جديداً من عدم اليقين في النظام المالي العالمي.


